بكائي ، وإذا كان ماء الملام هو ماء بكائه فكيف يكون مستعفيا منه مستعذبا له.
وقال أبو بكر محمد بن يحيى الصولي (١) : كيف يعاب أبو تمام إذا قال : ماء الملام؟ وهم يقولون : كلام كثير الماء ، وقال يونس بن حبيب في تقديم الأخطل : لأنه أكثرهم ماء شعر ، ويقولون : ماء الصبابة ، وماء الهوى ؛ يريدون الدمع ، وقال ذو الرمة :
|
أإن توهّمت من خرقاء منزلة |
|
ماء الصبابة من عينيك مسجوم (٢) |
وقال أيضا :
|
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة |
|
فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق |
وقالوا : ماء الشباب ، قال أبو العتاهية :
|
ظبي عليه من الملاحة حلّة |
|
ماء الشباب يجول في وجناته |
وهو من قول عمر بن أبي ربيعة :
|
وهي مكنونة تحيّر منها |
|
في أديم الخدّين ماء الشباب |
فما يكون إذا استعار أبو تمام من هذا كله حرفا فجاء به في صدر بيته؟ لما قال في آخره : فإنني صبّ قد استعذبت ماء بكائي ، قال في أوله : لا تسقني ماء الملام ، وقد تحمل العرب اللفظ على اللفظ فيما لا يستوي معناه ، قال الله عزوجل : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشورى : ٤٠] فالسيئة الثانية ليست بسيئة لأنها مجازاة ، ولكنه لما قال : (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ،) فحمل اللفظ على اللفظ. وكذلك : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [آل عمران : ٥٤] إنما حمل اللفظ على اللفظ ، فخرج الانتقام
__________________
(١) هو محمد بن يحيى بن عبد الله ، أبو بكر الصولي ، ويعرف بالشطرنجي ، من أكابر علماء العرب ، له تصانيف كثيرة منها : «أدب الكتاب» و «أشعار أولاد الخلفاء».
(٢) خرقاء : اسم امراة.
انظر «ديوان ذو الرمة» ص (٢٥٤). وفي المطبوع : أعن ترسّمت ، بدل أإن توهّمت.
