القصائد ولا أصرح به ، فهو يفهم من معاريضها وملاحنها وحيا وعلى وجه الإيماء والإشارة ، وهي غير مقصورة عليه ولا مفردة لذكره ، فبهذا أيضا جرت العادة في استعمال الطرف ، وإذا قال القائل : تلوحت من أطراف كلام فلان كذا وكذا ، فإنما هذا المعنى يريد ، وله يعني ، والبحتري على كل حال محسن ، وأما : تفويف شعر ؛ فإن النظم إذا كان نسجا ووصف بالصقال والرقة وكثرة الماء والهلهلة والمتانة وغير ذلك مما يستعمل في الثياب المنسوجة من النعوت المحمودة والمذمومة ، كان التفويف فيه جاريا هذا المجرى ومعدودا من هذا القبيل.
وأما قول الرضي :
|
ملك سما حتى تحلّق في العلا |
|
وأذلّ عرنين الزمان السامي (١) |
فليس عرنين الزمان من الاستعارة الجيدة ، وإنما بناه على ذكر الأنف الحقيقي عند وصف صاحبه بالذل وقد وردت استعارة الأنف في مثل هذا الموضع ، وكلاهما قبيح ، قال تأبط شرا :
|
نحزّ رقابهم حتى صدعنا |
|
وأنف الموت منخره رثيم |
فجعل للموت أنفا ومنخرا رثيما ، من قولهم : رثمت أنف الرجل فهو رثيم ، إذا ضربته فدمى ، وقال ذو الرمة :
|
يعزّ ضعاف القوم عزّة نفسه |
|
ويقطع أنف الكبرياء من الكبر (٢) |
فاستعار للكبرياء أنفا ، أو لعله أراد أنف صاحب الكبرياء وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، وقال معقل بن خويلد الهذلي :
|
تخاصم قوما لا تلّقى جوابهم |
|
وقد أخذت من أنف لحيتك اليد |
__________________
(١) العرنين : الأنف كله أو ما صلب منه. «ديوان الرضي» (٢ / ٢٩٦).
(٢) «ديوان ذي الرمة» ص ١٢٦. وفيه : ضعاف الناس ، بدل ضعاف القوم.
