وقد حمل أبو الفتح عثمان بن جني قول أبي الطيب :
|
نحن ركب ملجنّ في زي ناس |
|
فوق طير لها شخوص الجمال (١) |
على المقلوب ، وقال تقديره : نحن ركب من الإنس في زي الجن فوق جمال لها شخوص طير. وهذا عندي تعسف من أبي الفتح لا تقود إليه ضرورة ، ومراد أبي الطيب المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء فيقول : نحن قوم من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التي لا تسلك ، وقلة فرقنا فيها ، إلا أننا في زي الإنس ، وهم على الحقيقة كذلك ، ونحن فوق طير من سرعة إبلنا ، إلا أن شخوصها شخوص الجمال ، ولا شك أيضا في ذلك.
فأما قول قطري بن الفجاءة المازني :
|
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب |
|
جذع البصيرة قارح الإقدام (٢) |
فقد حملوه على المقلوب ، وقالوا : يريد قارح البصيرة جذع الإقدام كما يقال : إقدام غرّ ورأي مجرّب ، وقد كان أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب أجازني في بعض الأيام هذا البيت ، وقال : ما المانع من أن يكون مقصوده لم أصب أي : لم ألف على هذه الحال ، بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ، ويكون الكلام على جهته غير مقلوب ، وتمكن الدلالة على أن قوله : لم أصب ، في البيت بمعنى لم ألف ، دون ما يقولون من أن مراده به لم أجرح بقوله قبله :
|
لا يركنن أحد إلى الإحجام |
|
يوم الوغى متخوّفا لحمام (٣) |
|
فلقد أراني للرماح دريئة |
|
من عن يميني تارة وأمامي |
__________________
(١) «ديوان المتنبي» (١ / ١٦٦).
(٢) «ديوان قطري بن الفجاءة» ص ١٧٢ وانظر «لسان العرب» ١١ / ٥٢ (بزل).
(٣) المصدر السابق نفسه.
