فالجواب : أن «العصف» في البيت ، لا يجوز أن يكون مجرورا إلا بالكاف ، وإن كانت زائدة ، يدلّك على ذلك أن الكاف في كلّ موضع تقع فيه زائدة ، لا تكون إلا جارة ، كما أن من وجميع حروف الجرّ في أيّ موضع وقعن زوائد ، فلا بد من أن يجررن ما بعدهن كقولك : ما جاءني من أحد ، ولست بقائم ، فكذلك الكاف في مثل «كعصف» هي الجارة للعصف ، وإن كانت زائدة على ما تقدم.
فإن قيل : فإذا جررت العصف بالكاف ، فإلام أضفت مثلا؟ وما الذي جررت به؟
فالجواب أن «مثلا» وإن لم تكن مضافة في اللفظ ، فإنها مضافة في المعنى ، وجارة لما هي مضافة إليه في التقدير ، وذلك أن التقدير : فصيّروا مثل عصف مأكول.
فلما جاءت الكاف تولّت هي جرّ العصف ، وبقيت مثل غير جارة ولا مضافة في اللفظ ، وكان احتمال هذه الحال في الاسم المضاف أسوغ (١) منه في الحرف الجار ، وذلك لأنا لا نجد حرفا جارا معلّقا غير عامل في اللفظ ، وقد نجد بعض الأسماء معلّقا عن الإضافة ، جارا في المعنى ، غير جارّ في اللفظ ، وذلك نحو قولهم : جئت قبل وبعد. وقام زيد ليس غير ، وقد قالوا أيضا :
|
يا من رأى عارضا أسرّ به |
|
بين ذراعي وجبهة الأسد (٢) |
أي بين ذراعي الأسد وجبهته ، وجئت قبل كذا وبعد كذا ، وقام زيد ليس غيره.
__________________
(١) أسوغ : أكثر قبولا. مادة (س وغ). اللسان (٣ / ٢١٥٢).
(٢) البيت ينسب للفرزدق وهو أبو فراس همام بن غالب التميمي الدارمي ، من أفخر الشعراء الأمويين وأجزل المقدمين في الفخر والمدح والهجاء ، ولد سنة ١٩ ه ، ونشأ بالبصرة والبادية ، ومات سنة ١١٤ ه. العارض : السحاب المعترض في جو السماء ، وفي القرآن (هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا.) أسر به : أي أفرح به. مادة (س ر ر) اللسان (٣ / ١٩٩٢). ذراعي وجبهة الأسد : من منازل الكواكب ، حيث إن الذراعين أربعة كواكب كل اثنين منها يكونان ذراع ، والجبهة أيضا أربعة كواكب. الشاهد فيه : حذف المضاف إليه مع وجود ما يدل على المضاف إليه ، والتقدير بين ذراعي الأسد وجبهته. ـ
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
