فهذا ونحوه يشهد بكون الكاف اسما ، وبيت الأعشى أيضا يشهد بما قلنا ، فلسنا ننزل عن الظاهر ، ونخالف الشائع المطّرد ، إلى ضرورة واستقباح ، إلا بأمر يدعو إلى ذلك ، ولا ضرورة هنا ، فنحن على ما يجب من لزوم الظاهر ، ومخالفنا معتقد لما لا قياس يعضده ، ولا سماع يؤيده.
ووجه ثالث ، وهو أن خبر كأنّ هو خبر المبتدأ في الأصل ، وخبر المبتدأ لا يلزم إمحاضه اسما.
فإن قال قائل : فما بال الفاعل خالف المبتدأ في وجوب كونه اسما محضا ، وجواز كون المبتدأ غير اسم محض ، وكلاهما محدّث عنه ، ومسند إليه؟
فالجواب : أن الفرق بينهما ظاهر لمتأمله ، وذلك أن الجمل إنما تتركب من جزأين جزأين : إما اسم واسم ، وهو نحو المبتدأ وخبره ، وإما فعل واسم ، نحو الفعل والفاعل ، وما أقيم من المفعولين مقام الفاعل ، ولا بد في كل واحدة من هاتين الجملتين إذا عقدت من اسم يسند إليه غيره ، فأنت إذا أزلت عن المبتدأ أن يكون اسما محضا ، فقد بقّيت الجزء الذي هو اسم ، وذلك نحو قولهم «تسمع بالمعيديّ خير» (١) فالمبتدأ الذي هو في اللفظ تسمع ، قد أخبرت عنه باسم ، وذلك الاسم خبر ، فقد بقّيت على كل حال في الجملة اسما ، ولو ذهبت تحذف الفاعل ، وتقيم مقامه غير اسم ، لبقّيت الجملة معقودة بلا اسم ، وهذا لفظ يناقض (٢) ما عقدت عليه الجمل في أول تركيبها ، ولذلك رفض ذلك ، فلم يوجد في الكلام.
فأمّا بيت جمل : «وحقّ لمثلي يا بثينة يجزع» فقليل شاذّ ، على أن حذف «أن» في الكلام قد كثر ، حتى صار كلا حذف ، ألا ترى أن أصحابنا استقبحوا (٣)
__________________
الحياض : (م) الحوض وقد يجمع على أحواض وحياض وحيضان ، والحوض مجتمع الماء. أجون : (م) الآجن وهو الماء المتغير اللون والطعم ، وأجن الماء من باب ضرب. والشاهد فيه قوله : (كالخنيف) فإن الكاف اسم بمعنى مثل وليست حرفا.
(١) تسمع بالمعيدي خير : هو مثل يضرب وتمامه : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. ذكره صاحب اللسان (٣ / ٢٠٣٨).
(٢) يناقض : يخالف ويعارض. مادة (ن ق ض) اللسان (٦ / ٢٥٢٤).
(٣) استقبحوا : عدوه قبيحا ، والقبح ضد الحسن ويكون في القول والفعل والصورة.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
