ومن ذلك قولهم : زيدا فاضرب ، وعمرا فاشكر ، وبمحمد فامرر ، إنما تقديره : زيدا اضرب ، وعمرا اشكر ، وبمحمد امرر. وعلى هذا قوله جلّ ثناؤه : (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر : ٤] ، أي : وثيابك طهّر ، (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)(١) [المدثر : ٥] أي والرجز اهجر ، (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) [المدثر : ٧] ، أي لربك اصبر.
وهذه مسألة اعترضت هذا الباب ، ونحن نشرحها بإذن الله :
تقول العرب : خرجت فإذا زيد.
واختلفت العلماء في هذه الفاء : فذهب أبو عثمان (٢) إلى أنها زائدة ، وذهب أبو إسحاق الزيادي (٣) إلى أنها دخلت على حدّ دخولها في جواب الشرط ، وذهب مبرمان (٤) إلى أنها عاطفة.
وأصحّ هذه الأقوال قول أبي عثمان. وذلك أن إذا هذه التي للمفاجأة قد تقدم من قولنا فيها أنها للإتباع ، بدلالة قوله عز اسمه : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم : ٣٦] ، فوقوعها جوابا للشرط يدل على أن فيها معنى الإتباع ، كما أن الفاء في قولك : إن تحسن إليّ فأنا أشكرك ، إنما جاز الجواب بها لما فيها من معنى الإتباع ، وإذا كانت إذا هذه التي للمفاجأة بما قدمناه للإتباع ، فالفاء في قولنا خرجت فإذا زيد ، زائدة ، لأنك قد استغنيت بما في إذا من معنى الإتباع ، عن الفاء التي تفيد معنى الإتباع.
كما استغنى عنها في قوله جل اسمه : (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ.)
__________________
(١) الرجز : الإثم والشرك ، ورجز الشيطان ، وسوسته (ج) أرجاز. مادة (رجز). الشاهد في الآية في قوله تعالى : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.) إعراب الشاهد : الرجز : مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل (اهجر). والفاء : زائدة. اهجر : فعل أمر مبني على السكون ، والفاعل مستتر وجوبا تقديره أنت. وجملة «اهجر» جملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب.
(٢) أبو عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني. توفي سنة ٢٤٩ ه.
(٣) أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن أبي بكر بن زياد. عده الزبيدي في الطبقة السابعة من البصريين.
(٤) محمد بن علي بن إسماعيل العسكري ، عدّه الزبيدي من الطبقة التاسعة من البصريين.
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
