الواحد على الجمع ، فلما كانوا في الجمع يقولون : عظاء وعباء وصلاء ، فيلزمهم إعلال الياء ، لوقوعها طرفا ، أدخلوا الهاء وقد انقلبت اللام همزة ، فبقيت اللام معتلة بعد الهاء كما كانت معتلة قبلها.
فإن قيل : أولست تعلم أن الواحد أقدم في الرتبة من الجمع ، وأنّ الجمع فرع على الواحد ، فكيف جاز للأصل ـ وهو عظاءة ـ أن يبنى على الفرع وهو عظاء؟
وهل هذا إلا كما عابه أصحابك (١) على الفرّاء ، من قوله إن الفعل الماضي إنما بني على الفتح لأنه حمل على ألف التّثنية ، فقيل ضرب ، لقولهم ضربا؟
فمن أين جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع ، ولم يجز للفرّاء أن يحمل الواحد على التثنية؟
فالجواب : أن الانفصال من هذه الزيادة يكون من وجهين :
أحدهما : أنّ بين الواحد والجمع من المضارعة (٢) ما ليس بين الواحد والتثنية ، ألا تراك تقول قصر وقصور ، وقصرا وقصورا ، وقصر وقصور ، فتعرب الجمع إعراب الواحد ، وتجد حرف إعراب الجمع حرف إعراب الواحد ، ولست تجد في التثنية شيئا من ذلك ، إنما هو قصران أو قصرين ، فهذا مذهب غير مذهب قصر وقصور. أولا ترى أن الواحد تختلف معانيه كاختلاف معاني الجمع ، لأنه قد يكون جمع أكثر من جمع ، كما يكون الواحد مخالفا للواحد في أشياء كثيرة ، وأنت لا تجد هذا إذا ثنيت ، إنما تنتظم التثنية ما في الواحد البتة ، وهي لضرب واحد من العدد البتة ، لا يكون اثنان أكثر من اثنين ، كما تكون جماعة أكثر من جماعة. هذا هو الأمر الغالب ، وإن كانت التثنية قد يراد بها في بعض المواضع أكثر من الاثنين ، فإن ذلك قليل لا يبلغ اختلاف أحوال الجمع في الكثرة والقلة ، بل لا يقاربه ، فلما كانت بين الواحد والجمع هذه النسبة وهذه المقاربة ، جاز للخليل أن يحمل الواحد على الجمع ، ولمّا بعد الواحد عن التثنية في معانيه ومواقعه ، لم يجز للفراء أن يحمل الواحد على التثنية ، كما حمل الخليل الواحد على الجماعة.
__________________
(١) أصحابك : يريد البصريين.
(٢) المضارعة : المشابهة. مادة (ض ر ع) اللسان (٤ / ٢٥٨١).
![سرّ صناعة الإعراب [ ج ١ ] سرّ صناعة الإعراب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2072_ser-senaat-erab-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
