تنبيهاً علىٰ مطابقة القول الصريح للنقل الصحيح؛ لأن القول الأحسن إنّما يتميّز ويتبيّن بالبرّ المقرون بالهداية من الله. فهذه الآية أحد الموازين الّتي وضعها الله لاُولي الألباب [ليَمِيزوا] (١) بها الحقّ؛ لأن من يستمع قولاً يخالف قول الآخر فينظر إليه بعين بصيرة في تمييز أحسنه فهو من أهل البشرىٰ.
فإنّ من استمع إلىٰ قول من يقول : إن صاحب الشريعة الإسلاميّة صلى الله عليه واله اعتمد علىٰ رجل مطهّر من الذنوب ، منزَّه من الخطأ والعيوب ، آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب ، وعلّمه من علمه ألف باب ، يفتح له من كلّ باب ألف باب ، فخلّفه في أُمَّته بأمر من الله واختيار منه تعالىٰ؛ لئلا تضلّ الاُمّة.
ثم استمع إلىٰ قول من يقول : إنّه لم يوصِ إلى أحد ، فاتبع أحسن القولين طلباً للبشرىٰ من الله ، كان من أولي الألباب؛ لأن النبيّ صلى الله عليه واله لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاُمّة إلّا وقد بيّنه ، كما قال تعالىٰ : (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (٢) ، فكيف يهمل هذا الأمر الخطير ويترك الاُمّة في حيرة؟
ومن الواضح عند أهل البصيرة أن الناس لا تتّفق آراؤهم في أمر يسير ، إلّا بنحو من الغلبة ، فكيف يجوز اتّفاقهم جميعاً في مثل هذا الأمر العظيم؟
__________________
(١) في المطبوع : (ليتميزوا).
(٢) المائدة : ٣.
