فالبكاء على الحسين عليه السلام بعد مضيِّ هذه المدة وتفاني القرون والأحقاب يعد منافياً لما عليه العقلاء ، كمنافاة العزاء علىٰ نوح وموسىٰ وعيسىٰ عليهم السلام اليوم.
ولكنك الخبير أن هذه الدار الفانية دار ممرّ ، وسوق لأبنائها في إفادتهم واستفادتهم؛ فبين رابح وخاسر ، وفرح بربحه ومحزون لخسرانه. والربح والخسران قوّة وضعفاً يدوران مدار بقاء الحزن وسرعة زواله. والأرباح أقسام شتىٰ؛ فمنها الخطير ومنها الحقير ، ومنها الخاص ومنها العام ، ومنها العاجل ومنها الآجل. وهي تدور قوّة وضعفاً علىٰ عظم المفقود وحقارته.
ففقد من لا فائدة معتبرة في وجوده لا يعد فقده خسراناً ، بل يعدّ فقده راحة واستراحة. وفقد ذي الفائدة ـ ولو كانت آجلة كالطفل ـ يعدّ خسراناً وإن كانت مصائب الصغار صغار المصائب ويزول أثرها بسرعة. واذا كان يافعاً نافعاً ، كان الحزن عليه أشدّ وزواله أبطأ؛ لأن نفعه أقوىٰ وأشدّ منه فقد النافع البارّ بوالديه الواصل رحمه ، ذي النجدة المحامي الذائد؛ لأن فوائده أتم. فكلّما ذكروه توالت زفراتهم وحنّوا عليه حنين النيب (١) ، وربما كان ذلك مدة عمرهم كالخنساء. وأعظم من ذلك الزعيم العام ، القائد بالفوائد العظام لعامة الأنام ، سيما إذا لم يكن لخ خلف وفقد لا إلىٰ بدل؛ فيلازمهم الحزن الدائم. فأيّ عاقل يستهجن حزنهم؟
___________________
(١) النيب : جمع النَّيوب وهي الناقة المسنة ، لسان العرب ٣٦٤ : ١٤ ـ نيب.
