أنْ جعل ذلك مسكِّناً يستوي فيه من علت همّته ومن دنت. ولو كان فقد الأحبّة والأجلّاء لا يوجب ذلك ، وأنه منافٍ لعلوّ الهمّة ، لما بكىٰ عالي الهمّة علىٰ فقد عزيز.
ومن الواضح وقوعه ممّن لا يختلف اثنان في شجاعته وعلوّ همّته وبسالته ، مَن مقاماته في الحروب تضرب بها الأمثال ، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنّه بكىٰ علىٰ رسول الله صلى الله عليه واله والزهراء عليها السلام وعلى أصحابه؛ كعمار وخزيمة والمقداد والمرقال وابن التيهان. وقال يرثيهم :
|
ألا أيّها الموت الّذي ليس تاركي |
|
......................... |
إلىٰ آخر الأبيات (١).
فلو كان ذلك منافياً لما اجتمع في أمير المؤمنين عليه السلام؛ لاستحالة اجتماع الضدّين ، ولما اجتمع في النسخة الكاملة في جميع الصفات الفاضلة؛ فإنّه بكىٰ علىٰ غير واحد من أعزّائه ، وبكىٰ علىٰ ولده الحسين عليه السلام قبل مصيبته كما قدّمنا.
ولعلك تقول : هب أن البكاء في وقت الحادث وأول الصدمة جائز مشروع ، [لكنه ليس] (٢) كذلك لو طالت المدّة والعهد وانقرضت الأزمان ، بل يعدّ عرفاً وعقلاً قبيحاً ، فيحرم شرعاً لقاعدة الملازمة.
__________________
(١) ديوان الإمام علي عليه السلام : ٨٤.
(٢) في المطبوع : (فلا).
