إليه؛ لأنّهم قالوا : إن الأفعال كلَّها من الله ، وإنه لا فعل للعبد أصلاً. وذهبت العدلية إلى الاختيار ، وأن الانسان حرُّ في فعله ، له أنْ يفعل وله ألّا يفعل. وهذا هو الحق.
نعم ، القدرة على الاختيار وعدمه ، كأصل وجود الإنسان ، من الله أوجده مختاراً. أما الاختيارات الجزئيَّة الجارية في الوقائع الشخصيَّة فهي من العبد ، وهو تعالىٰ لم يجبره علىٰ فعل ولا ترك. لأنه لو كان مجبوراً لانتفت فائدة بعثة الأنبياء ، وبطل الثواب والعقاب. ولأنه إذا لم يكن العبد موجوداً لأفعاله ، يلزم نسبة صدور القبح من الله ، وظلمه لعبده؛ لفرض أن العبد لم يفعل شيئاً ، فكيف يعاقبه علىٰ ما لم يفعله؟ فمع عقابه يكون ظالماً تعالىٰ الله عن الظلم. ولأن القرآن مصرّح بنسبة الفعل إلى الإنسان. قال تعالىٰ : (فَوَيْلٌ لِلَّذينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْديهِم) (١). وقال تعالىٰ : (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّن) (٢). وقال تعالىٰ : (إِنَ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِم) (٣). وقال تعالىٰ : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه) (٤). وقال تعالىٰ : (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهين) (٥). (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُون) (٦).
ولأن كلَّ من له شعور يجد الفرق الواضح بين صدور فعله بباعث نفساني اختياري ، وبين صدور الفعل غفلة أو قهراً؛ إذ تكليف الغافل
__________________
(١) البقرة : ٧٩.
(٢) الأنعام : ١١٦.
(٣) الرعد : ١١.
(٤) النساء : ١٢٣.
(٥) الطور : ٢١.
(٦) السجدة : ١٧ ، الأحقاف : ١٤.
