ماء أشربه» كان التمنّي للماء موجبا للشرب ، وإذا قلت «ألا تنزل عندنا أكرمك» كان العرض موجبا للكرامة ، وذلك محال ؛ لأن الأمر بالإتيان لا يكون موجبا للإتيان ، وإنما يوجبه الإتيان ؛ والنهي عن الفعل لا يكون موجبا للخير ، وإنما يوجبه الانتهاء ، والدعاء بالرزق لا يكون موجبا للحج ، وإنما يوجبه الرزق ، والاستفهام عن بيته لا يكون موجبا للزيارة ، وإنما يوجبه التعريف ، والتمني للماء لا يكون موجبا للشرب ، وإنما يوجبه وجوده ، والعرض بالنزول لا يكون موجبا للكرامة ، وإنما يوجبه النزول ؛ فدل على أن حرف الشرط فيها كلها مقدّر ، وأن التقدير : ايتني فإنك إن تأتني آتك ، ولا تفعل فإنك إن لا تفعل يكن خيرا لك ، واللهم ارزقني بعيرا فإنك إن ترزقني بعيرا أحجّ عليه ، وأين بيتك فإنك إن تعرّفني بيتك أزرك ، وألا ماء فإن يك ماء أشربه ، وألا تنزل فإنك إن تنزل أكرمك ؛ فدل على أن [٢٢٢] هذا الوجه الذي ذكره بعضهم عن تعرّي الكلام عن تقدير حرف الشرط ليس بصحيح.
والوجه الثاني : وهو الصحيح ـ أنا نسلم تقدير حرف الشرط ، وأنه حذف ، وإنما حذف لدلالة هذه الأشياء عليه ، فصار في حكم الثابت على ما بيّنا في حذف ربّ.
وأما قولهم «إن إعمال حرف الجزم مع حذف الحرف قد جاء كثيرا ، وأنشدوا الأبيات التي رووها» فنقول : أما قوله :
|
محمّد تفد نفسك كلّ نفس |
|
إذا ما خفت من أمر تبالا [٣٥٠] |
فقد أنكره أبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، ولئن سلمنا صحته ـ وهو الصحيح ـ فنقول : قوله «تفد نفسك» ليس مجزوما بلام مقدرة ، وليس الأصل فيه لتفد نفسك ، وإنما الأصل : تفدي نفسك ، من غير تقدير لام ، وهو خبر يراد به الدعاء ، كقولهم : غفر الله لك ، ويرحمك الله ، وإنما حذف الياء لضرورة الشعر اجتزاء بالكسرة عن الياء ، كما قال الأعشى :
|
وأخو الغوان متى يشأ يصرمنه |
|
ويصرن أعداء بعيد وداد [٢٤٧] |
أراد «الغواني» فاجتزأ بالكسرة عن الياء ، وقال الآخر :
|
[٣٦٤] فما وجد النّهديّ وجدا وجدته |
|
ولا وجد العذريّ قبل جميل |
______________________________________________________
[٣٦٤] النهدي : المنسوب إلى نهد ـ بفتح النون وسكون الهاء ـ وهي قبيلة من قبائل اليمن يرجع نسبها إلى قضاعة ، فهي نهد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ، والعذري : المنسوب إلى عذرة ـ بضم العين وسكون الذال المعجمة ـ وهي قبيلة عظيمة
