وأما قولهم «إنك تحذف الواو والياء والألف من نحو : اغز ، وارم ، واخش ، كما تحذفها من نحو : لم يغز ، ولم يرم ، ولم يخش» قلنا : إنما حذفت هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف للبناء ، لا للإعراب والجزم ، حملا للفعل المعتلّ على الصحيح ، وذلك أنه لما استوى الفعل المجزوم الصحيح وفعل الأمر الصحيح ، كقولك «لم يفعل وافعل يا فتى» وإن كان أحدهما مجزوما والآخر ساكنا سوّي بينهما في الفعل المعتل ، وإنما وجب حذفها في الجزم لأن هذه الأحرف التي هي الواو والياء والألف جرت مجرى الحركات لأنها تشبهها ، وهي مركّبة منها في قول بعض النحويين ، والحركات مأخوذة منها في قول آخرين ، وعلى كلا القولين فقد وجدت المشابهة بينهما ، وكما أن الحركات تحذف للجزم ، فكذلك هذه الأحرف ، فلما وجب حذف هذه الأحرف في المعتل للجزم ، فكذلك يجب حذفها من المعتل للبناء ؛ حملا للمعتل على الصحيح ؛ لأن الصحيح هو الأصل ، والمعتل فرع عليه ؛ فحذفت حملا للفرع على الأصل.
والذي يدل على صحة ما ذكرناه وأنه ليس مجزوما بلام مقدرة أن حرف الجر لا يعمل مع الحذف ، فحرف الجزم أولى.
قولهم «إنكم تذهبون إلى أن ربّ تعمل الخفض مع الحذف بعد الواو والفاء [٢٢١] وبل» قلنا : إنما جاز ذلك لأن فيما بقي من هذه الأحرف دليلا على ما ألقي وبيانا عنه ، فلما كانت هذه الأحرف دليلا عليه وبيانا عنه جاز حذفه ؛ لأن المحذوف بهذه المثابة في حكم الثابت ، بخلاف حرف الجزم ؛ فإنه حذف وليس في اللفظ حرف يدل عليه ولا يبين عنه ، فبان الفرق بينهما.
وأما قولهم «إنكم تذهبون إلى أن حرف الشرط يعمل مع الحذف في ستة مواضع ، وهي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض» قلنا : الجواب عن هذا من وجهين :
أحدهما : أنّا لا نسلم حذف حرف الشرط في هذه المواضع ، ولا أن الفعل مجزوم بتقدير حرف الشرط ، وإنما هو مجزوم لأنه جواب لهذه الأشياء التي هي الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والعرض ، وهذا الوجه ذكره بعض النحويين ، وليس بصحيح ؛ لأنك لو حملت الكلام على ظاهره من غير تقدير حرف الشرط لكان ذلك يؤدي إلى محال ، ألا ترى أنك إذا قلت «ايتني آتك» كان الأمر بالإتيان موجبا للإتيان ، وإذا قلت «لا تفعل يكن خيرا» كان النهي عن الفعل موجبا للخير ، وإذا قلت «اللهم ارزقني بعيرا أحجّ عليه» كان الدعاء بالرزق موجبا للحج ، وإذا قلت «أين بيتك أزرك» كان الاستفهام عن بيته موجبا للزيارة ، وإذا قلت «ألا
