|
تركتني في الدّار ذا غربة |
|
قد ذلّ من ليس له ناصر |
وكان الأصل أن يقول «ذات غربة» فحمله على المعنى ، فكأنها قالت :
تركتني إنسانا ذا غربة ، والإنسان يطلق على الذكر والأنثى ، وقال الأعشى :
|
[٣٢٨] لقوم فكانوا هم المنفدين |
|
شرابهم قبل إنفادها |
______________________________________________________
على قبر رجل تبكيه ، وقوله «تركتني في الدار ذا غربة» معناه أنها ـ وإن كانت في دارها وبين ذويها وأهلها ـ تشعر بالوحدة والغربة ؛ لأنها ما كانت تجد الأنس في غير عامر المبكى ، ثم علل ذلك بقوله «قد ذل من ليس له ناصر» ومحل الاستشهاد قوله «ذا غربة» فإنه كان ينبغي ـ لو أنه أجرى الكلام على ما يقتضيه اللفظ ـ أن يقول «ذات غربة» لأن الحديث على لسان امرأة ؛ بدليل قوله «قامت تبكيه» لكنه ـ مع ذلك ـ أجرى الكلام على المعنى ؛ فإن المرأة يقال لها «إنسان» أو «شخص» والشخص مذكر ، فيجوز أن تجري عليه صفات المذكورين تبعا للفظه ، ويجوز أن تجري عليه صفات المؤنثات تبعا للمراد منه ، أما أن المرأة يطلق عليها لفظ «شخص» فدليله قول عمر بن أبي ربيعة :
|
فكان مجني دون من كنت أتقي |
|
ثلاث شخوص كاعبان ومعصر |
فقد قال «ثلاث شخوص» بغير تاء في ثلاث ، وترك التاء في لفظ العدد يكون عند ما يكون المعدود مؤنثا ، ويدل لهذا أيضا أنه فسر ثلاث الشخوص بقوله «كاعبان ومعصر» والكاعب : المرأة التي كعب ثديها ونهد. وفي بيت الشاهد قال «ذا غربة» أي شخصا ذا غربة ، وهذا ظاهر إن شاء الله.
ومن الإجراء على المعنى ما أنشده ابن منظور (ب ك ى) قال : «وقول طرفة :
|
وما زال عني ما كننت يشوقني |
|
وما قلت حتى ارفضّت العين باكيا |
فإنه ذكر باكيا ـ وهي خبر عن العين ، والعين أنثى ـ لأنه أراد حتى ارفضّت العين ذات بكاء ، وإن كان أكثر ذلك إنما هو فيما كان معنى فاعل لا معنى مفعول ، وقد يجوز أن يذكر على إرادة العضو ، ومثل هذا يتسع فيه القول ، ومثله قول الأعشى :
|
أرى رجلا منهم أسيفا كأنما |
|
يضم إلى كشحيه كفا مخضبا |
أي ذات خضاب ، أو على إرادة العضو كما تقدم ، وقد يجوز أن يكون مخضبا حالا من الضمير الذي في يضم» اه كلامه بحروفه.
[٣٢٨] هذا البيت هو الثالث والعشرون من قصيدة للأعشى ميمون بن قيس مطلعها :
|
أجدك لم تغتمض ليلة |
|
فترقدها مع رقادها |
وقبل البيت المستشهد به قوله :
|
فباتت ركاب بأكوارها |
|
لدينا ، وخيل بألبادها |
وانظر الديوان (ص ٥٠ ـ ٥٦) وقد وهم المؤلف فزعم أن ضمير المؤنث في قوله «قبل إنفادها» يعود إلى الشراب لأنه الذي تقدم ذكره في البيت ، وعنده أن الشاعر أراد أن يقول «فكانوا هم المنفدين شرابهم قبل إنفاده» غير أن القافية ألجأته إلى أن يقول «قبل إنفادها» وأنه استساغ ذلك لأن الشراب ههنا هو الخمر ، والخمر مؤنثة ، فلما لم يتيسر له أن يعيد إليه الضمير باعتبار لفظه المتقدم أعاده إليه باعتبار معناه فأنثه ، هكذا زعم المؤلف ، وليت
