وإن لم يكن هناك شكّ ولا شبهة ، وإذا كانوا يخرجون الكلام مخرج الشكّ وإن لم يكن هناك شك لم تخرج «أو» عن أصلها.
وأما قول الله تعالى : [٢٠٠] (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان : ٢٤] فلا حجة لهم فيه ؛ لأن «أو» فيها للإباحة ، أي : قد أبحتك كلّ واحد منهما كيف شئت ، كما تقول في الأمر «جالس الحسن أو ابن سيرين» أي : قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت ، والمنع بمنزلة الإباحة ، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له ، فكذلك لا يقدم على شيء نهيته عنه ، وأما قول الآخر :
* ... أو نصفه فقد* [٣٠٢]
فنقول : الرواية «ونصفه فقد» بالواو ؛ فلا يكون لكم فيه شاهد ، ولو سلمنا أن الرواية على ما رويتموه فنقول : «أو» فيه باقية على أصلها ، وهو أن يكون التقدير فيه : ليتما هذا الحمام أو هو ونصفه ، فحذف المعطوف عليه وحرف العطف ، كقوله تعالى : (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ) [البقرة : ٦٠] أي : فضرب فانفجرت ، وعلى هذا التقدير قول الشاعر :
[٣٠٥] * ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالث*
أي : شهرين أو شهرين ونصف ثالث ، ألا ترى أنك لا تقول مبتدئا «لبثت نصف ثالث» وإذا وجب أن يكون المعطوف عليه محذوفا كانت باقية على أصلها ، فدل على صحة ما ذهبنا إليه ، والله أعلم.
______________________________________________________
هذا النوع من الكلام تجاهل العارف ، وهو نظير ما ذكرناه في البيت السابق ، ونظير هذين البيتين قول أبي الطيّب المتنبي :
|
أتراها لكثرة العشاق |
|
تحسب الدمع خلقة في المآقي؟ |
وقول التهامي يشكو السهر :
|
قصرت جفوني أم تباعد بينها |
|
أم مقلتي خلقت بلا أشفار؟ |
وقول مهيار الديلمي :
|
سلا ظبية الوادي ـ وما الظبي مثلها |
|
وإن كان مصقول الترائب أكحلا ـ |
|
أأنت أمرت البدر أن يصدع الدجى |
|
وعلمت غصن البان أن يتميلا؟ |
[٣٠٥] لم أقف لهذا الشاهد على تكملة ، ولا على سوابق أو لواحق تتصل به ، ولا على نسبة إلى قائل معين ، والاستشهاد به في قوله «أو نصف ثالث» فإنه على تقدير حذف معطوف وحرف عطف ، وأصل الكلام : ألا فالبثا شهرين أو شهرين ونصف شهر ثالث ، وقد بيّنا لك رأينا في هذا التقدير في شرح الشاهد رقم ٣٠٢.
