وأما احتجاجهم بقول الشاعر :
* ... أو أنت في العين أملح* [٣٠١]
فالرواية فيه «أم أنت في العين أملح» ولئن سلمنا أن الرواية «أو» فلا حجة لهم فيه أيضا ؛ لأن «أو» فيه للشك ، وليست بمعنى بل ؛ لأن مذهب الشعراء أن يخرجوا الكلام مخرج الشك وإن لم يكن هناك شك ؛ ليدلوا بذلك على قوة الشبه ، ويسمى في صنعة الشعر «تجاهل العارف» كقول الشاعر :
|
[٣٠٣] فيا ظبية الوعساء بين جلاجل |
|
وبين النّقا آأنت أم أمّ سالم؟ |
وكقول الآخر :
|
[٣٠٤] بالله يا ظبيات القاع قلن لنا : |
|
ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر؟ |
______________________________________________________
[٣٠٣] هذا البيت من كلام ذي الرمة غيلان بن عقبة ، وهو من شواهد سيبويه (٢ / ١٦٨) وابن جني في الخصائص (٢ / ٤٥٨) والقزويني في الإيضاح (٣٧٩) ورضي الدين في شرح الشافية (رقم ١٦٨) وشرحه البغدادي (ص ٣٤٧ بتحقيقنا) وأنشده ابن يعيش في شرح المفصل (ص ١٣١٥) وانظر بعد ذلك أمالي أبي علي القالي (٢ / ٦١) وكامل المبرد (بغية الآمل ٦ / ١٨١) وأمالي ابن الشجري (١ / ٣٢١) ولسان العرب (ج ل ل) ومعجم ياقوت (جلاجل) والوعساء : رملة ، وجلاجل : قد ضبطها ابن منظور بفتح الجيم الأولى ، وقال ياقوت «جلاجل : بالضم وكسر الثانية ، ويروى بفتح الأولى ، ورأيته بخط أبي زكريا التبريزي بحاءين مهملتين الأولى مضمومة ... جبل بالدهناء» اه. والاستشهاد بالبيت في قوله «أأنت أم سالم» فإن ظاهر ما تدل عليه هذه العبارة أنه لا يعلم أيهما أجمل فاستفهم لتخبره ، ولكن الحقيقة أنه عارف أن أم سالم أجمل ، فتجاهل ليأخذ الإقرار بأن أم سالم أجمل ، وهذا نوع من البديع يسمى تجاهل العارف وقد عرفه السكاكي بأنه «سوق المعلوم مساق المجهول لنكتة» والنكتة ههنا هي إظهار تدلهه في الحب وأنه لفرط عشقه لم يعد يعرف أظهر الأشياء وأقربها إليه.
[٣٠٤] هذا البيت من شواهد الإيضاح للقزويني (ص ٣٧٩ بتحقيقنا) وأوضح المسالك لابن هشام (رقم ٥٣٩) وشرح الأشموني (رقم ١٣١) وشرحه العيني (١ / ٤١٦ و ٤ / ٥١٨) وقد اختلف العلماء في نسبة هذا البيت ، فزعم قوم أنه لمجنون بني عامر ، وكأنهم اغتروا بذكر اسم ليلى فيه ، وقد بحثت جميع ديوان المجنون فلم أجده فيه ، ونسبه قوم لذي الرمة ، ونسبه العيني للعرجي ، ونسبه العباسي لبعض الأعراب ولم يسمه (المعاهد ٤١٨) ونسبه القزويني للحسين بن عبد الله الغزي ، ونسبه الباخرزي في الدمية لبدوي سماه كاهلا الثقفي ، وانظر بعد ذلك كله الشاهد رقم (٧٨) الذي مضى في المسألة ١٥ ، والقاع : أرض سهلة قد انفرجت عنها الجبال والآكام ، والاستشهاد به ههنا في قوله «ليلاي منكن أم ليلى من البشر» فإن ظاهر هذه العبارة أنه لا يعلم إن كانت ليلى من جنس الظباء أم من جنس الإنسان ، فاستفهم لتخبره ، والحقيقة أنه لا يجهل ذلك ، فتجاهل وهو عارف ، ويسمي علماء البديع
