والذي يدل على أن «إنسان» مأخوذ من النّسيان أنهم قالوا في تصغيره «أنيسيان» فردّوا الياء في حال التصغير ؛ لأن الاسم لا يكثر استعماله مصغرا كثرة استعماله مكبّرا ، والتصغير يردّ الأشياء إلى أصولها ، فدلّ على ما قلناه.
وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا إن وزنه فعلان لأن «إنسان» مأخوذ من الإنس ، وسمّي الإنس إنسا لظهورهم ، كما سمّي الجنّ جنّا [٣٤٢] لاجتنانهم أي استتارهم ، ويقال «آنست الشيء» إذا أبصرته ، قال الله تعالى : (آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) [القصص : ٢٩] أي : أبصر ، وكما أن الهمزة في الإنس أصلية ولا ألف ونون فيه موجودتان ؛ فكذلك الهمزة أصلية في إنسان ، ويجوز أن يكون سمّي الإنس إنسا لأن هذا الجنس يستأنس به ويوجد فيه من الأنس وعدم الاستيحاش ما لا يوجد في غيره من سائر الحيوان ، وعلى كلا الوجهين فالألف والنون فيه زائدتان ؛ فلهذا قلنا إن وزنه فعلان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم «إن الأصل في إنسان إنسيان ، إلا أنهم لما كثر في كلامهم حذفوا منه الياء لكثرة الاستعمال ، كقولهم أيش في أي شيء وعم صباحا في أنعم صباحا وويلمه في ويل أمه» قلنا : هذا باطل ؛ لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان يجوز أن يؤتى به على الأصل ، كما يجوز أن تقول : أيّ شيء ، وانعم صباحا ، وويل أمه ـ على الأصل ؛ فلما لم يأت ذلك في شيء من كلامهم في حالة اختيار ولا ضرورة دل على بطلان ما ذهبتم إليه.
وأما قولهم «إنهم قالوا في تصغيره أنيسيان» قلنا : إنما زيدت هذه الياء في أنيسيان على خلاف القياس ، كما زيدت في قولهم «لييلية» في تصغير ليلة ، و «عشيشية» في تصغير عشيّة ، وكقولهم على خلاف القياس «مغيربان» في تصغير مغرب ، و «رويجل» في تصغير رجل ، إلى غير ذلك مما جاء على خلاف القياس ؛ فلا يكون فيه حجّة ، والله أعلم.
