فقال «ضمّنا» ولم يقل «ضمّنتا» لأنه ذهب بالسماحة إلى السخاء وبالمروءة إلى الكرم ، وقال الآخر :
|
[٤٦٩]فإن تعهديني ولي لمّة |
|
فإنّ الحوادث أودى بها |
______________________________________________________
ومحل الاستشهاد من البيت قوله «ضمّنا» فإن هذا فعل ماض مبني للمجهول مسند إلى ضمير غائب هو ألف الاثنين يعود إلى مؤنثتين وهما المروءة والنجدة ، وكان من حق العربية عليه أن يؤنث هذا الفعل ، فيلحق به التاء ، فيقول «ضمّنتا» لأن الفعل المسند إلى ضمير المؤنث يجب إلحاق علامة التأنيث به ـ سواء أكان هذا المؤنث حقيقي التأنيث أم كان مجازي التأنيث ـ إلا أن الشاعر ترك التاء بسبب كونه أراد المعنى ، وبيان ذلك أن السماحة قد يطلق عليها الكرم أو الجود أو السخاء ، وأن المروءة قد يطلق عليها كرم الطباع أو الشرف أو السمو ، وكل ذلك مذكر ، فذكر الفعل لأنه أراد بالضمير وصفين من هذه الأوصاف المذكورة ، ونظير ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى : (هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) وقوله سبحانه (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ، وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) إذا جعلت اسم الإشارة في (ولذلك) عائدا إلى الرحمة المستفاد من قوله سبحانه (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) وهو رأي لبعض العلماء في الآية ألا ترى أنه قد جيء باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر مشارا به إلى الرحمة ، وذلك لأن معنى الرحمة هو الفضل والإنعام ، فكأنه قيل : ولذلك الفضل أو لذلك الإنعام خلقهم ، وكأنه قيل في الآية الأخرى هذا فضل من ربي ، ونظير ذلك من الشعر مما لم يذكره المؤلف قول الخنساء :
|
فذلك ـ يا هند ـ الرزية ، فاعلمي |
|
ونيران حرب حين شب وقودها |
فقد أشارت باسم الإشارة الموضوع للمفرد المذكر في قولها «فذلك» إلى الرزية وهي مؤنثة لأنها أرادت من الرزية الرزء أو الخطب أو نحو ذلك ، ونظيره قول امرىء القيس بن حجر الكندي :
|
برهرهة رؤدة رخصة |
|
كخرعوبة البانة المنفطر |
البرهرهة : الرقيقة الجلد ، والرؤدة : الناعمة الرخصة ، والخرعوبة : القضيب الغضّ والمنفطر : المنشق ، فأنت تراه قد قال «كخرعوبة البانة المنفطر» مع أن الخرعوبة مؤنث اللفظ ، وكان من حقه أن يقول المنفطرة ، إلا أنه لما كان الخرعوبة والغضّ بمعنى واحد أعاد الصفة على الخرعوبة كما يعيدها على الغضّ.
[٤٦٩] هذا البيت من كلام الأعشى ميمون بن قيس ، من قصيدة يمدح فيها رهط قيس بن معديكرب الكندي ويزيد بن عبد المدان الحارثي (الديوان ١٢٠ ـ ١٢٢ فينا) وقد أنشده ابن منظور (ح د ث) والبيت من شواهد سيبويه (١ / ٢٣٩) وابن هشام في أوضح المسالك (رقم ٢١٢) والأشموني (رقم ٣٦٨) وشرحه العيني (٢ / ٤٦٦ بهامش الخزانة) ورواية سيبويه «فإما ترى لمّتي بدلت» ورواية المتأخرين من النحاة «فإما تريني ولي لمّة» وكذلك هي في اللسان ، ورواية المؤلف توافق رواية الديوان. واللمة بكسر اللام ـ الشعر يلم بالمنكب ، أي يحيط به ، وبدلت في رواية سيبويه معناه غيرت من السواد إلى البياض ، وأودى بها : ذهب بما كان لها من بهجة وحسن ، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله «أودى بها» فإن
