حذفها إسقاطا لذلك المعنى الذي جاءت من أجله ، وذلك خلاف الحكمة.
والذي يدلّ على صحة هذا ثبوت التنوين في المنقوص والمقصور وحذف حرف العلّة منهما لالتقاء الساكنين وإن كان أصليا فيهما ، ألا ترى أنك تقول في المنقوص «هذا قاض ، ومررت بقاض» والأصل فيه «هذا قاضي ، ومررت بقاضي» إلا أنهم لما حذفوا الضمة والكسرة استثقالا لهما على الياء بقيت الياء ساكنة والتنوين ساكنا فحذفوا الياء لالتقاء الساكنين وأبقوا التنوين ؛ لأن الياء ما جاءت لمعنى ، والتنوين جاء لمعنى ؛ فكان تبقيته أولى ، فكذلك أيضا تقول في المقصور «هذه رحا وعصا» والأصل فيه «رحي وعصو» فلما تحركت الياء والواو انفتح ما قبلهما قلبوهما ألفا (١) لتحركهما وانفتاح ما قبلهما ، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين وبقي التنوين بعدها ؛ لأن الألف ما جاءت لمعنى ، والتنوين جاء لمعنى ؛ فكان تبقيته أولى ، فكذلك هاهنا ، ولهذا كان الواجب في تصغير منطلق ومغتسل : مطيلق ومغيسل ، وكذلك التكسير نحو : مطالق ومغاسل بإثبات الميم وحذف النون من منطلق والتاء من مغتسل ؛ لأن الميم جاءت لمعنى ـ وهو الدلالة على اسم الفاعل ـ والنون والتاء ما جاءتا لمعنى ؛ فكان حذفهما أولى من حذف الميم ؛ لأنها جاءت لمعنى ، وكذلك القياس في كل حرفين اجتمعا فوجب حذف أحدهما ؛ فإن حذف ما لم يجىء لمعنى أولى من حذف ما جاء لمعنى ، والسر فيه هو (٢) أن الحرف الذي جاء لمعنى قد تنزّل في الدلالة على [٢٧١] معنى بمنزلة سائر الكلمة التي تدل بجميع حروفها على معنى ، بخلاف الحرف الذي لم يجىء لمعنى ؛ فإنه ليس فيه دلالة على معنى في نفسه البتة ، فكما يمتنع أن تحذف الكلمة بأسرها لشيء لا معنى له في نفسه ؛ فكذلك هاهنا : يمتنع أن يحذف الحرف الذي جاء لمعنى لأجل حرف لم يجىء لمعنى ؛ فدل على أن حذف التاء الأصلية أولى من الزائدة على ما بيّنا ، والله أعلم.
__________________
(١) في ر «قلبوها ألفا» وليس بذاك.
(٢) في ر «وهو أن ـ إلخ» والظاهر أن الواو من «وهو» زائدة.
