سؤال عن الحال ، والحال لا يكون إلا نكرة ، وسائر أخواتها تارة تجاب بالمعرفة وتارة تجاب بالنكرة ، فلما قصرت عن أحد الأمرين ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثاني : إنما لم يجز المجازاة بها لأنها لا يجوز الإخبار عنها ، ولا يعود إليها ضمير ، كما يكون ذلك في من وما وأيّ ومهما ، فلما قصرت في ذلك عن نظائرها ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة.
والوجه الثالث : أن الأصل في الجزاء أن يكون بالحرف ، إلا أن يضطر إلى استعمال الأسماء ، ولا ضرورة هاهنا تلجىء إلى المجازاة بها ؛ فينبغي أن لا يجازى بها ؛ لأنّا وجدنا أيّا تغني عنها ، ألا ترى أن القائل إذا قال «في أي حال تكن أكن» فهو في المعنى بمنزلة «كيف تكن أكن». غير أن هذا الوجه عندي ضعيف ؛ لأن «أيا» كما تتضمن الأحوال تتضمن الزمان ، والمكان ، وغير ذلك ؛ فكان ينبغي أن يستغني بها عن متى ما وأينما وغيرهما من كلمات المجازاة ؛ فلما لم يستغنوا بها عنها دل على ضعف هذا التعليل.
والتعويل في الدلالة على أنه لا يجوز [٢٦٧] أن يجازى بها الوجهان الأولان.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم : «إنها أشبهت كلمات المجازاة في الاستفهام ، وإن معناها كمعنى كلمات المجازاة» قلنا : لا نسلم أن معناها كمعنى كلمات المجازاة ، وذلك لأنه لا تتحقق المجازاة بها ، ألا ترى أنك إذا قلت «كيف تكن أكن» كان معناها : على أي حال تكون أكون ، فقد ضمنت له أن تكون على أحواله وصفاته كلها ، وأحوال الشخص كثيرة يتعذر أن يكون المجازي عليها كلها ؛ لأنه يتعذر أن يتفق شيئان في جميع أحوالهما ، بل ربما كان كثير من الأحوال لا يدخل تحت الإمكان كالصحة والسّقم والقوة والضعف إلى غير ذلك ؛ فإن أحدهما لو كان سقيما والآخر صحيحا أو ضعيفا والآخر قويا لما كان يمكن السقيم أن يجعل نفسه صحيحا ولا الضعيف أن يجعل نفسه قويا ، فأما متى ما وأينما فإنه تتحقق المجازاة بهما ، ألا ترى أنك إذا قلت «أينما تكن أكن» فقد ضمنت له متى كان في بعض الأماكن أن تكون أيضا في ذلك المكان ، ولا يتعذر ، وكذلك إذا قلت «متى تذهب أذهب» ضمنت له في أي زمان ذهب أن تذهب معه ، وهذا أيضا غير متعذر ، بخلاف كيف ؛ فإنه يتعذر أن يكون المجازى على جميع أحوال المجازي وصفاتها كلها لكثرتها وتنوعها ، فبان الفرق.
