والذي يدل على فساد ما ذهب إليه الفراء من منع جواز تقديم المنصوب قول طفيل الغنوي :
|
[٤٠٠] وللخيل أيّام ؛ فمن يصطبر لها |
|
ويعرف لها أيّامها الخير تعقب |
فنصب «الخير» بتعقب ، وتقديره : تعقب الخير ، و «تعقب» مجزوم ، وإنما كسرت الباء لأن القصيدة مجرورة ، وإنما كان هذا في المجرورة دون المرفوعة والمنصوبة لوجهين ؛ أحدهما : أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء ، فلما
______________________________________________________
[٤٠٠] هذا البيت من قصيدة طويلة لطفيل الغنوي ـ وهو أحد شعراء قيس الفحول ، وكان يلقب «طفيل الخيل» لكثرة وصفه إياها ، كما كان يلقب «المحبر» لجودة وصفه ـ وبعد البيت المستشهد به قوله :
|
وقد كان حيانا عدوين في الذي |
|
خلا ؛ فعلى ما كان في الدهر فارتبي |
|
إلى اليوم لم تحدث إليكم وسيلة |
|
ولم تجدوها عندنا في التنسب |
|
جزيناهم أمس العظيمة ؛ إننا |
|
متى ما تكن منا الوثيقة نطلب |
وإنما روينا لك هذه الأبيات لتعلم أن رويّ هذه القصيدة مكسور لأن لذلك مدخلا في بيان الاستشهاد بالبيت ، والبيت من شواهد رضي الدين في باب الجوازم ، وشرحه البغدادي في الخزانة (٣ / ٦٤٢) وقوله «وللخيل أيام» مبتدأ مؤخر وخبر مقدم ، وقوله : «من يصطبر لها» من اسم شرط ، والفعل بعده مجزوم به على أنه فعل الشرط ، وقوله «ويعرف لها أيامها» الفعل معطوف على فعل الشرط ، ولهذا كان مجزوما ، والخير : مفعول مقدم لتعقب ، وتعقب الخير ، أي تحدث الخير في عاقبة أمرها ، ومحل الاستشهاد من هذا البيت قوله «الخير تعقب» فإنه قوله تعقب فعل مضارع واقع جواب الشرط الذي هو «من» والدليل على أنه جواب الشرط أنه مكسور للرويّ ، ولا يجوز أن يكون هذا الفعل مرفوعا ولا أن يكون منصوبا ، لأنهم لا يستسيغون كسر الفعل المضارع لأجل الروي إلا أن يكون مجزوما ، والسر في هذا يرجع إلى أمرين ، الأول : أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء ، كل واحد منهما يختص به قبيل منهما ، فالجر يختص به الاسم ، والجزم يختص به الفعل ، فلما وجب تحريك الفعل المضارع المجزوم لأجل الرويّ حركوه بالحركة التي يختص بها نظيره وهي الكسرة ، والوجه الثاني : أن الفتحة والضمة يدخلان الفعل المضارع ؛ فلو أنهم حركوا المضارع المجزوم بالفتحة أو الضمة حين تدعوهم الحاجة إلى تحريكه لالتبس الأمر فلم يعرف أهذه الحركة أصلية أم عارضة لأجل الرويّ ، ولكن إذا كسروا آخره للرويّ وقد علم أن الكسر لا يدخله بالأصالة علم من أول وهلة أن هذه الكسرة طارئة وليست أصلية ، وهذا ظاهر إن شاء الله أبلغ الظهور ، ومتى عرف أن هذا الفعل المضارع مجزوم وقد سبقه أداة شرط وفعل الشرط علم أنه جواب الشرط. وأن كلمة «الخير» مفعول به لهذا الفعل تقدم عليه ؛ فدل ذلك على أنه يجوز تقديم الاسم المنصوب بجواب الشرط مع أن جواب الشرط مجزوم ؛ فهذا إيضاح كلام المؤلف في هذا الموضوع وبيانه بأوضح عبارة ، والله سبحانه أعلى وأعلم.
