عمر بن الخطاب : «من أفضل ما أوتيت العرب الشعر ، يقدّمه الرجل أمام حاجته ، فيستمطر به الكريم ويستنزل به اللئيم». وإذا كانت أبيات المديح هي الطلب المباشر ، أو تضمنت الطلب ، فإن ما يسبق المديح تمهيد للطلب. وقد اصطلح الناس وتعارفوا على أن هذا الأسلوب في التمهيد هو الأسلوب المرغوب فيه ، فاتبعوه.
ب ـ إن وصف الراحلة والطريق ليس مصطنعا ولا متخيلا ؛ لأنه يغلب على الشعراء المادحين أن يأتوا إلى الممدوحين من مكان بعيد. ووصف طريق الرحلة والراحلة يحقق الشاعر منه هدفا فنيّا نفعيّا : أما الهدف الفني ، فهو تهييج القريحة الشعرية لتصل إلى ذروة عطائها في أبيات المدح ، فيكون بمنزلة «التسخين» الذي يقوم به الرياضي قبل المباراة. ومن الهدف الفني إمتاع الممدوح بعرض صور فنيّة مما يوجد في الصحراء العربية ، قد يكون متشوقا لرؤيتها ، حيث يتضمن الوصف صورا للحيوانات الصحراوية ، وطبائعها ، وأحوالها مع الصائدين. وربما كان هناك سؤال يجب على الشاعر أن يجيب عنه وهو : كيف وصلت إلينا وكيف كانت الطريق ، وما ذا رأيت في طريق الرحلة؟
وأما الهدف النفعي : فهو استدرار عطاء الممدوح ، لما لقيه في الطريق من أهوال قطعها إليه ، وكلما اشتدّ عناء الشاعر ، زاد الأمل في العطاء ؛ لأن قطع المسافات الطويلة إلى الممدوح يرفع مقامه ، ويجعله متفرّدا في صفات الكرم ، وكأنه يقول للممدوح : ذكرك في الكرم والجود وصل إلى الأماكن القاصية ، وليس في الربوع من يجود غيرك.
ج ـ رأينا فيما سبق الصلة الوثيقة بين وصف الطريق والراحلة ، وبين موضوع المدح ... وليس من الصعب أن تربط بين المقدمة الطللية الغزلية وبين باقي القصيدة. ربما نقول : إنّ المقدمة الطللية نوع من الإثارة الشاعرية ، وليس هناك أقدر على الإثارة من التعبير عن المشاعر الذاتية.
وربما تقول : إن الشاعر عند ما تحدث عن ذكرياته الذاتيّة اللصيقة بموطنه ، ومرابع القبيلة ، أراد أن يقول للممدوح : إنني خلّفت موطن الذكريات العزيزة إلى
![شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة [ ج ١ ] شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1883_sharh-alshavahed-alsharia-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
