قلبي وقصدتك طالبا جودك ، وربما أراد أن يقول : ليس في حياتي ما أقدّمه على ملاقاتك ، ولو كانت ألصق الذكريات بي ، وأحبّها إليّ. وللدلالة على صلة الأطلال والنسيب بموضوع المدح ، يربط الشعراء بين هذه المقدمة وما بعدها برباط فنيّ ، يسمونه «حسن التخلّص» ، وانظر مثال الربط القوي وحسن التخلص بين الأقسام ، المفضلية رقم (٢٥) للحارث بن حلزة اليشكري في مدح الملك قيس بن شراحيل.
والمفضلية رقم (١١٩) لعلقمة بن عبدة ، في مدح الحارث بن جبلة.
والخلاصة : أن كلام ابن قتيبة في المقدمة ، كان يصح لو قال : «إن مقصّد قصيد «المدح» إذا بدأ بوصف الديار ... الخ».
وقلت : قصيد المدح ؛ لأننا وجدنا أن المنهج الذي وصفه لا يعمّ القصيد كلّه. وقلت : «إذا» لأن قصائد المدح لا تتبع كلّها الخطوات التي وصفها : فقصيدة المدح قد تبدأ بالوقوف على الديار ، وقد تبدأ بالغزل بدون الوقوف على الأطلال. وقد يصف الشاعر الراحلة والطريق ، وقد يكون المدح بعد الوقوف على الأطلال .. فالذي قاله ابن قتيبة خاص بقصائد. ورأينا خيوطا فنيّة ومعنوية تربط بين أجزاء قصيدة المدح ، بل قل : بين خطوات قصيدة المدح. فهي قصة المادح منذ كان في دياره ، إلى أن يرتحل ويصل إلى الممدوح ، فيقول له ما قاله ، وينال عطاءه. ولم يقل أحد إن القصة ذات لون واحد ، فهي تصف الزمان والمكان والحدث ، ومع ذلك نعدّها وحدة متكاملة. وإذا وجدت قصيدة لا تربطها الروابط ، فليس ذلك من عيب فيها ، وإنما جاء العيب من الرواية ، فإذا أردت أن تحكم على الشعر ، فعليك بالقصائد الصحيحة الرواية التي لم تخلّ الروايات بشيء من عدد أبياتها ، أو ترتيبها كما سيأتي بيانه ، فقد كان العرب أهل ذوق فنيّ ، ولم يكونوا يخلطون بين الألوان المتنافرة. هذا ، وإذا عاندت ولم تقنع بما قدمت من تفسير خطوات قصيدة المدح ، فإنني أقول : إنّ قصائد المدح في الشعر الجاهلي لا تساوي ١ / ٣٠ من بقية الشعر ، فما كثر المدح إلا في زمن خلفاء بني أمية ومن بعدهم ، وسوف نرى تعاضدا أشد لا ينكر بين أجزاء القصيدة في الفنون الأخرى ، فيما يأتي من الكلام إن شاء الله.
* وأما جهة الوهم الثانية : فهي كثرة الأبيات السائرة التي تدلّ على معنى منفرد :
![شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة [ ج ١ ] شرح الشّواهد الشعريّة في أمّات الكتب النحويّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1883_sharh-alshavahed-alsharia-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
