ارتفع فيها المقياس الزئبقي للافكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له لأن أكثر النصوص التي صدرت من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص اذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد ان تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الإسلام يومئذ والى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ولو احتج الإمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في شأنه وأقام منها دليلاً على امامته وخلافته لكان الصدى الطبيعي لذلك ان يكذب الحزب الحاكم صديق الأمة في دعواه وينكر تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين.
وقد لا يجد الحق صوتاً قوياً يرتفع به في قبال ذلك الانكار لأنّ كثيراً من قريش وفي مقدمتهم الأمويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النصّ النبوي تسجيلاً لمذهب الإمامة الإلهية ، ومتى تقررت هذه النظرية في عرف الحكم الإسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمّد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسراً. وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللاً اقصاء علي عن الأمر : ان قومكم كرهوا ان يجمعوا لكم الخلافة والنبوة (١) فقد يدلنا هذا على أن اسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر كان معناه في الذهنية العامّة حصر الخلافة في الهاشميين وليس لذلك تفسير اولى من أنّ المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل ثابت للخلافة يستمد شرعيته من
__________________
(١) راجع تاريخ الكامل ج ٣ ص ٢٤.
