والمعنى بالكلمتين في الآيتين الكريمتين ان كان هو المعنى الأول للحق والعدل كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البيّنة فإذا احرز الحاكم ملكية شخص لمال صحّ له أن يحكم بذلك لأنّه يرى انّه الحق الثابت في الواقع والحقيقة العادلة فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصداق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله تعالى. واما إذا فسرنا الكلمتين في الآيتين بالمعنى الثاني اعني ما يكون حقّاً وعدلاً بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصين القرآنيين على شيء في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ ان أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام وأي قضاء لا يكون كذلك.
ومن الواضح ان المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق فانّها متى وصف بها شي ء فهم ان ذلك الشيء أمر ثابت في الواقع فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة. ويدل على ذلك الأسلوب الذي صيغت عليه الآية الأولى فانّها تضمنت أمراً بالحكم بالعدل وواضح جداً أن تطبيق التنظيمات الإسلامية في موارد الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي لأن نفس وضعها قانوناً للقضاء معناه لزوم تطبيقها فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكراراً أو تنبيها وليس من حقيقة الأمر في شيء واما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من بيّنة وشهادة أولا فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنّه تقرير جديد يوضح ان الواقع هو ملاك القضاء الإسلامي والمحور الذي ينبغي ان يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة (١).
__________________
(١) واذا أردنا أن نترجم هذا المعنى إلى اللغة العلمية قلنا : انّ الأمر على التقدير الثاني يكون ارشادياً اذ لا ملاك للأمر المولوي في المقام حيث ان المأمور اتباعه هو بنفسه كاف للبعث والتحريك فظهور الأمر في المولوية يقضي بصرف لفظة العدل إلى المعنى الأول لجواز الأمر مولوياً باتباع الواقع فيما إذا دلت عليه البيّنة خاصة وامكان الأمر باتباعه مطلقاً.
