حدّ ، يمشي في الليل والنهار وحده دون أن يكون بخدمته أحد من تلامذته أو غيرهم ، فقد كان لا يسمح لهم بذلك ، وكانت العادة في ذلك العصر أن يحمل أمام العلماء والأعيان سراج في الليل ، أمّا المترجم له فكان غير حاضر لذلك أيضا ، وكان يجلس مع تلامذته وأصحابه وكأنّه أحدهم ، يترسل في حديثه وجلسته ، ولم يسمع عنه أنّه استغاب أحدا طيلة عمره ، وكان لا يسمح لأحد أن يغتاب آخرا في مجلسه ، فإذا أحسّ بمثل ذلك أورد مسألة علميّة في الحال وصرفهم عمّا كانوا فيه.
وكان يقيم الصلاة بمسجد قرب داره لم يزل يعرف باسمه حتى اليوم ، وكان يأتمّ به الأخيار والأتقياء (١).
زهده وورعه وتقواه :
كان زاهدا في الدنيا ، معرضا عنها حتى عن الكلام في أمورها العاديّة كالقصص والتواريخ والحكايات والسوانح ، لا يتكلّم إلّا بما يعنيه ، لم نسمع منه شيئا من ذلك واعترف غيرنا ممّن عاشره بمثل هذا ، لكن ذلك مع الاعتدال ، لا كفعل الربيع بن خيثم الذي سأل رجلا : هل لك أب؟ هل في قريتكم مسجد؟ ثمّ ندم وقال : سوّدت صحيفتك يا ربيع.
عاشرناه وواظبنا على القراءة عليه مدّة وجودنا في النجف بعد
__________________
(١) نقباء البشر في القرن الرابع عشر : ٢ ـ ٧٧٧.
