لأن علمهم بالتغاير قرينة المجازية والحاصل أن الحمل بلا قرينة أيضا موجود في المجازات فلو قيل بأنه دليل الحقيقة لزم القول بأن الأصل في الاستعمال الحقيقة مع أنّه باطل وعلى الثّالث بمعنى الغلبة المفيدة للظّنّ وعدم كفاية مجرّد الغلبة بدون إفادتها الظّنّ هذا حاصل ما قيل في الاعتراض وأقول أمّا الاعتراض الأوّل فصحيح وأمّا الثّاني والثّالث فباطلان أمّا الثّاني فلأنّ مبناه أنّ العلم بالتغاير يمكن أن يكون قرينة على مجازيّة المحمول وهو باطل لأنّ الكلام إنما هو في أن حمل المعنى الحقيقي على شيء دليل فرديّة له وهذا مما لا يرد عليه شيء لا أن القضيّة الحملية دليل عليه مع أنّ لنا أن نقول بالثاني أيضا لأن احتمال كون العلم بالتغاير قرينة المجازيّة غير معتبر في العرف لما عرفت سابقا من أنّه يستلزم أن لا يجوز لغير المخاطب حمل كلام المتكلّم على ظاهره مضافا إلى أن العلم بالتغاير لا يعين مجازيّة المحمول بل إنما يقتضي صرف الكلام عن ظاهره إمّا بمجازية المحمول أو ادعائية الحمل فيصير مجملا فقول المتكلّم الفقّاع خمر يحتمل أنّه لما كان عالما بتباينهما فعلمه بذلك قرينة على إرادة خلاف الظّاهر إمّا بمجازية الخمر بعلاقة الشّباهة في الإسكار فيثبت بالحمل أن الفقّاع أيضا مسكر أو بادعائية الحمل بأن يكون المراد حقيقة الخمر ويكون حمله على الفقّاع ادعائية لوجود جميع أحكامه فيه فعلى الأوّل لا يثبت حكم الخمر للفقّاع بخلاف الثّاني فيصير مجملا وكذا لو قال زيد ابني يحتمل أنّه عالم بالتغاير وهو قرينة على مجازية الابن في الابن التّعليمي مثلا وادّعائية الحمل فلا يكون إقرارا مع أنا نراهم يجعلون ذلك إقرارا ولا يعتبرون هذه الاحتمالات مع أنّ الاحتمال المذكور ثابت في عدم صحّة السّلب وكذا في صحّة السّلب على ما سبق وليس وجه إعراضهم عن صحّة الحمل إلى عدم صحّة السّلب ما ذكر بل الوجه جعله مقابلا لصحّة السّلب مع أن بعضهم ذكر صحّة الحمل دون عدم صحة السّلب فافهم وأمّا الثّالث فلأنّ الإنصاف أنّ الغالب في التّقاسيم تقسيم المعنى الحقيقي وتقسيم المجازي لا يمكن إلاّ بإرادة مفهوم المسمّى وهو نادر جدّا فلو قيل العين على أقسام ذهب وفضة وغيرهما لكان قبيحا من القول كما إذا قيل زيد على أقسام زيد بن عمرو وزيد بن بكر وغيرهما
تنبيهان
الأوّل المقسم قد يكون ذاتيّا للأقسام كقولهم الحيوان إمّا إنسان أو بقر وقد يكون عرضيّا كقولهم الحيوان إمّا أبيض أو أسود لعدم مأخوذية مفهوم المقسم في الأقسام في هذا القسم ولا ينافي ذلك ما سبق أن المقسم معتبر في الأقسام لأن المراد بالأبيض في التّقسيم الحيوان الأبيض لكن ليس الحيوان معتبرا في مفهوم الأبيض من حيث هو وإذا شك في أن المقسم ذاتيّ أو عرضيّ فهل الأصل الأوّل أو الثّاني محل نظر مبني على أن الغالب أيّهما وتعيّنه مشكل ويظهر الثّمرة في تعيين معنى القسم أيضا بصحّة التّقسيم على الأوّل دون الثّاني فلو قيل الغراب على قسمين أبيض وأسود وشكّ في أنّ الأبيض أي شيء فعلى الأوّل
