لا يمكن عقلا الفرق بين أقسامه وأمّا ما ورد من ذم الكفار على تقليدهم فلا نسلم أوّلا كونهم قاطعين بل صريح الآيات أنّهم ما لهم به من علم إن هم إلاّ يظنون وثانيا أنّ الذم راجع إلى تقصيرهم في الاعتماد على التّقليد وتحصيل الجزم منه وهو في تنبيه لهم ليزول عنهم القطع الفاسد فلنرجع إلى ما كنا فيه نقول قد عرفت بما ذكرنا أنّ الظّن في أي مرتبة كان يحتاج إثبات حجّيّته إلى دليل قطعي ولا ينفع دعوى كون الأخبار معلومة الصّدر بالعلم العادي بالمعنى الرّاجع إلى الظّن في سقوط البحث عن حجّيّته فالشأن إنّما هو في بيان الدّليل على حجّيّته الظّن فنقول إنّ من الظّنون ما لا نزاع في حجّيّته كظواهر الكتاب والأخبار المتواترة ومنها ما لا نزاع في عدم حجّيّته كالقياس والرّمل والجفر والنّجوم ونحوها ومنها ما هو محل النّزاع كخبر الواحد والإجماع المنقول والشّهرة والاستقراء وأمثالها والنّزاع في هذا القسم تارة يقع باعتبار الظّان بمعنى أنّ الظّن حجّة إذا كان للمجتهد المطلق أو للمتجزي أيضا أو للمقلد أيضا والمتكفل لبيان هذا المرام مبحث الاجتهاد والتّقليد وتارة يقع من حيث السّبب من أنّه الحاصل بخبر الواحد فقط أو بالشهرة أيضا ونحوها وأخرى يقع من حيث المتعلق من أنّه حجّة في الأحكام فقط أو في الموضوعات أيضا وعلى الأوّل فهل يختص بالأحكام الفرعيّة أو الأصوليّة العمليّة أو يجري في الأصول العقائد أيضا وعلى الثّاني فهل يختص بالموضوعات المستنبطة أو يجري في الموضوعات الصّرفة أيضا وأخرى يقع من حيث المرتبة من أنّه حجّة بأدنى مراتبه أو يعتبر المرتبة الأعلى من الظّن من حيث يعتبر وهو الظّن الاطمئناني فهذه مقامات ثلاثة يجب التّكلم فيها تحقيقا للحق الحقيق بالتحقيق وقبل الخوض في المطلب ينبغي تأسيس الأصل في أنّ الظّن حجّة أو لا فنقول وبالله التّوفيق إنّ العمل بالظّنّ تارة يتصور بالعمل على طبق الظّنّ من غير أن ينسب المظنون إلى الشّارع ويتدين به ويحكم بثبوته شرعا وأخرى بالتدين به وجعله حجّة مثبته للحكم ونسبته المظنون إلى الشّارع أمّا الأوّل فالأصل فيه الجواز لأنّه في الحقيقة ليس عملا به بل إنّما هو عمل على طبقه وهو جائز إذا لم يلزم منه مخالفة لدليل معتبر بل القائلون بعدم حجّيّته الظّنّ أصلا ربما يعملون بالظّنّ بهذا المعنى كما لو شكّ في حرمة شيء وإباحته فظن الحرمة فإنّ الأخباريين يبنون عملهم على الحرمة فيطابق الظّنّ لكن ليس عملهم من كونه مظنونا بل إنّما هو من جهة الاحتياط في محتمل الحرمة وهذا مراد من استدل على حجّيته الظّنّ بأنّ دفع الضّرر المظنون لازم فإنّ اللازم منه إنّما هو محض تطبيق العمل عليه لا جعله حجّة شرعيّة في إثبات الحكم نعم لو كان مخالفا لدليل معتبر لم يجز العمل عليه بهذا المعنى أيضا كما لو ظن إباحة وطي الحائض بعد انقطاع الدّم قبل الغسل فإنّه لا يجوز تطبيق العمل عليه للزوم
