القرينة وهو كونه موضع الحاجة وأمّا أوامر الشّرع فقيل ينصرف إلى الفور وهو باطل لعدم جواز إجراء الوجه المذكور فيها لو سلم عليّته للانصراف عرفا أنّه ليست أوامره في موضع الحاجة لغنائه بل لوجود المصالح والمفاسد وهي قد تكون في التّأخير وقيل يحمل في الشّرع على الفور لا للانصراف بل لقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وقوله تعالى فاستبقوا الخيرات والأوّل يقرر بوجهين أحدهما أن المغفرة من فعله تعالى فلا معنى لمسارعة العبد إليها فالمراد سارعوا إلى أسباب المغفرة بحذف المضاف أو المراد من المغفرة سببها مجازا والثّاني أنّ معنى المسارعة إلى المغفرة التّعرض لتحصيلها عاجلا فهو أمر بالمسبب ابتداء وهو إمّا عين الأمر بالأسباب أو مستلزم له وكيف كان فعلى القول بالتّكفير مطلقا يجب بمقتضى الآية المسارعة إلى كل حسنة لأنّ الحسنات أسباب لتكفير السّيّئات والمغفرة وعلى القول به في الجملة يثبت في البعض ويتم في الباقي بعدم القول بالفصل ووجه الاستدلال بالثّانية ظاهر والجواب أوّلا أنّ الآيتين في مقام الوعظ والتّرغيب والمتبادر منهما الاستحباب عرفا وثانيا أمّا عن الآية الأولى فإنّها إرشاد إلى ما ثبت في العقل من وجوب التّوبة لكونها سببا للمغفرة دفعا لضرر العقاب وكذا كل ما كان سببا للمغفرة فهو واجب عقلا لدفع ضرر العقاب لا لوجود مصلحة في نفسه ومفسدة في تركه غير ما يترتب على المأمور به وحينئذ فاللازم هو وجوب تحصيل المغفرة فورا على المذنبين ولا كلام فيه أمّا من تاب فلا دليل على وجوب الفور بالنّسبة إليه وأمّا عن الثّانية فإنّ الأمر دائر فيها بين إرادة الاستحباب من الأمر وبين التّخصيص في الخيرات التّخصيص الأكثر ولا شك في ترجيح الأوّل وأمّا ما يجاب به عن الثّانية من أنّها متعارضة مع الأوامر الواردة في الشّرع فإنّها مطلقة فإمّا يلاحظ كل واحد منها مع الآية فهو خاص والآية عامة ولا ريب في ترجيح الخاص على العام وإمّا يلاحظ المجموع معها فبينهما التّباين فيجب التّرجيح فمما لا يصغى إليه لحكومة الآية على سائر الأوامر لكونها ناظرة إليها بحيث لو رجحت تلك الأوامر عليها بقيت الآية بلا معنى كما لو قال المولى لعبده اشتر اللحم واخدم الفرس واكنس البيت ثم قال اسرع إلى ما أمرتك به فلا معنى لملاحظة التّرجيح في المقام كما لا يخفى على أولى الأفهام تذنيبان أحدهما في بيان أن الفور على القول به هل هو قيد أو تكليف مستقل والتّحقيق أنّه إن قيل باستفادته من الصّيغة كان قيدا لأنّها دالة على طلب خاص حينئذ لا على طلبين وإن قيل باستفادته من الأدلة العامة كالآيتين كان تكليفا مستقلا فإن مقتضى وجوب المسابقة إلى الخيرات صدق الخير على العمل مع قطع النّظر عن الآية وهو لا يصدق إلاّ إذا كان المطلوب ذات العمل فالمسابقة إليه واجب مستقل وعلى هذا فيكون المطلوب فورا ففورا لاقتضاء الآية وجوب المسارعة إلى مطلق الخيرات والفعل إذا ترك في الزّمان الأوّل لم يزل صدق الخير عنه لما ذكرنا أنّ المطلوب هو نفس الفعل وحينئذ فيجب المسابقة إليه وهكذا بالنّظر إلى الزّمان الثّالث والرّابع الثّاني في حد جواز التّأخير في الواجب الموسع فنقول إنّ حده عموما آخر أزمنة الإمكان وخصوصا آخر الزّمان المجعول له شرعا والمراد بالعموم الموسع بالمعنى الأعم وهو ما يكون وقته أزيد منه سواء فهم ذلك من صريح لفظ الأمر أو من الإطلاق وبالخصوص المعنى الأخصّ وهو ما نص بالوقت المعين ثم إنّه لا ريب في عدم جواز تأخير الموسع بالمعنى الأخصّ عن وقته المحدود وأمّا الموسع بالمعنى الأعم فحده واقعا هو آخر أزمنة الإمكان وأمّا ظاهرا فيلاحظ إلى جزء من الزّمان فإمّا يعلم أنه الآخر فلا إشكال في حرمة التأخير أو يعلم أنّه ليس آخرا فلا ريب في جوازه إنّما الإشكال في صورة الظّن بالإمكان والظن بعدمه والشّك والحق اعتبار الظّنّين إذ لو جعل المدار على العلم فإمّا يبنى عند عدمه على الاحتياط أو البراءة فعلى الأول يفوت فائدة التّوسيع إذ قلما يحصل العلم بعدم كونه آخرا وعلى الثاني يفوت فائدة الوجوب لجواز التأخير إلى أن يعلم كونه آخرا وهو لا يعلم غالبا إلا بعد الوقوع فيه فالمناص هو الرجوع إلى الظن بالسّلامة وعدمها وأمّا الشك فمقتضى الاشتغال الاحتياط عنده لاحتمال فوات الامتثال فيحكم العقل بوجوب التعجيل لا يقال إمكان الفعل يستصحب في الزمان المتأخر فيحكم بأنه ليس آخرا لأنّا نقول لا دليل على حجيّة الاستصحاب في مثل ذلك بل يجب إجراؤه حال تحقق الشك في بقاء الحالة السابقة لا في بقائه بالنّسبة إلى الزمان المتأخر أيضا ثم إنه إذا ظن الضيق وترك الفعل ثم ظهر الوسعة فهل هو عاص قيل نعم لمخالفته الظن المتبع والحق أنه داخل في مسألة التّجري والكلام في حرمته وهل يصير قضاء الحق عدمه لتحقّقه في وقته الواقعي والظّن بالضيق لا يوجب تضييقه واقعا فتأمّل
