من قوله تعالى فَلْيَحْذَرِ الّذينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ وقوله تعالى ما مَنَعَكَ أَنْ لا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ وحديث بريرة أتأمرني قال بل أنا شافع وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وغير ذلك ودعوى التّبادر إنّما تنفع قبالا لمن يقول بوضعه لمطلق الطّلب من دون دعوى الانصراف وأمّا من يقول بأنّه منصرف إلى خصوص الوجوب فلا يضره التّبادر فيحكم بأنه لغلبة الاستعمال فهو إطلاقي لا وضعي ويمكن أن يقال إن المتبادر في العرف هو الوجوب بخصوصه وإن كان لغلبة الاستعمال وغلبة الاستعمال من أمارات الحقيقة كما مر سابقا ومقتضى ذلك كونه حقيقة في خصوص الوجوب لا يقال إن كونه حقيقة في الوجوب لا ينافي وضعه لمطلق الطّلب لأنّه من باب إطلاق الكلي على الفرد لأنّا نقول ليس المتبادر أولا مطلق الطّلب ثم ينصرف إلى الوجوب بل المتبادر ابتداء خصوص الوجوب كما لا يخفى على من رجع إلى العرف ثم إنّ هذا القائل لم يفرق بين مادة الأمر وهيئته فحكم بالانصراف في الهيئة أيضا وهو ينافي ما ذكروه من أن معنى الإنشاء جزئي وهو الفرد الموجود في النّفس عند إنشاء اللّفظ والانصراف لا يطلق اصطلاحا إلاّ على الكلي المنصرف إلى فرده لا يقال إن الطّلب الحاصل في النّفس إنّما يحكم بجزئيته من حيث إنّه من أفراد مطلق الطّلب قائم بالنفس فلا يمتنع كونه كلها بالقياس إلى الوجوب والنّدب لأنّا نقول الجنس لا تقوم له في الخارج بدون الفصل فحصول الطّلب في النّفس لا يمكن بدون أحد الفصلين من الوجوب والنّدب فإن وجود الطّلب في الخارج هو قيامه بنفس الطّالب فلا يمكن بدون الفصل وعلى هذا فيجب أن يقول إنّه لوحظ مطلق الطّلب ووضع بإزاء جزئيات الوجوب وجزئيات النّدب لا جزئيات مطلق الطّلب الّتي هي كليات بالنسبة إلى الوجوب والنّدب لما علمت أنّه لا يوجد في الخارج أي في النّفس والحاصل أن مراد من يقول إن الموضوع له هو مطلق الطّلب في الهيئة أن آلة الملاحظة في الوضع هو مطلق الطّلب والموضوع له كل واحد من جزئيات الوجوب والنّدب ومن يقول إن الموضوع له هو الوجوب مراده أنّه الملحوظ والموضوع له جزئياته خاصة وبهذا ظهر فساد ما قالوا في ترجيح القول الثّاني على الأوّل بأنّه على الأوّل يكون استعماله في كل من الوجوب والنّدب مجاز بخلافه على الثّاني وكذا ما قيل في رده بأنّه على الثّاني أيضا يكون استعماله في النّدب وفي المطلق مجازا فتساويا مع أنّه قد لا يكون استعماله على الأوّل مجازا في الوجوب والنّدب لجواز كونه من باب إطلاق الكلي على الفرد وذلك لما بينا أنّ مراده أن الموضوع له هو جزئيات الوجوب والنّدب والملحوظ حال الوضع هو المطلق والمستعمل فيه لا يكون إلاّ جزئيات الوجوب والنّدب واستعماله فيهما استعمال فيما وضع له لا من قبيل إطلاق الكلي على الفرد فتلخّص من ذلك
