الإمكان والامتناع والوجوب واختلف في ذلك على أقوال والمراد بالإمكان الإمكان بالنظر إلى الحكمة لا الإمكان بالذّات وكذا المراد من أخويه احتج الأول بوجود أحدها أن الوجوب يحتاج إلى رجحان طرف الوجود والامتناع يحتاج إلى رجحان طرف العدم بخلاف الإمكان فإنه تساوي الطرفين والأصل عدم الزّيادة فيثبت الإمكان والثّاني أن إمكان الاشتراك شيء وكل شيء مخلوق لله تعالى فإمكان الاشتراك مخلوق لله تعالى والثّالث قاعدة الإمكان المذكورة في كتب الحكماء وقد صرح بها الرّئيس حيث قال كل ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان ما لم يدرك عنه قائم البرهان والجواب أمّا عن الأول فبأن الأصل عبارة عن استصحاب العدم الثاني في الزّمان السّابق والاشتراك لو كان راجحا وجودا أو عدما في الحكمة لكان كذلك في الأزل فالرجحان ليس شيئا متيقن العدم في الزّمان السّابق حتى يستصحب عدمه وأمّا عن الثّاني فبالنّقض بأن وجوب الاشتراك شيء وكل شيء مخلوق لله وحله أن الله تعالى قادر على كل شيء لا أنّه خالق كل شيء بالفعل والتّحقيق في الجواب أن الإمكان ليس أمرا مجعولا بل هو أمر منتزع عقلي غير قابل للجعل وكذا أخواه وأمّا عن الثالث فبأن القاعدة المذكورة لا ربط لها بالمطلوب فإن المراد منها أن الشخص إن لم يجد دليلا على الوجوب والإمكان والامتناع فلا يحكم بأحدها جزما بل يذره في بقعة الاحتمال بأن يقول يحتمل كل منها والحاصل أن الإنسان لا يجوز له أن يجرم بطرف بدون البرهان نعم يمكن الاستدلال بطريق العقلاء فإنهم يحكمون بالإمكان بمحض عدم وجود الدليل على الامتناع كما تراهم يقولون في إثبات مطلب إنّ المقتضي موجود والمانع غير معلوم فيثبت المطلوب ولا زال ذلك طريقة مستمرة بيد العقلاء وهو كاف في إثبات المطلوب وإن لم يعلم وجهه ويظهر ذلك لمن تتبع كلمات القوم في مقام الاستدلال ألا ترى صاحب الفصول رحمهالله يقول بأن أحكام الشّرع تابعة لحسن التّشريع لا لحسن الفعل إذ ربما يكون الفعل حسنا ولم يتعلق به الأمر لوجود المانع عن الأمر كما قال صلىاللهعليهوآله لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وربما لا يكون حسنا وقد تعلق به الأمر كجل العبادات فإن المأمور به فيها هو العمل الخالي عن قصد القربة لأن القربة فرع الأمر فكيف تؤخذ في المأمور به والفعل الخالي عن القربة لا حسن فيه هذا قوله ومع ذلك يقول إذا وجدنا الفعل حسنا حكمنا بأنه مأمور به كما يقوله الباقون نظرا إلى أن الشّك في تعلق الأمر إنّما هو بسبب احتمال وجود المانع عن التّشريع وهو مدفوع لا يعتنى به عند العقلاء احتج الموجبون بأن الحكمة الموجبة لوضع الألفاظ هو إبراز المعاني والألفاظ محصورة والمعاني غير متناهية
