للألفاظ المفردة أحوال تعرض لها من حيث هى موجودة ، كدلالتها على معانيها ، مثل دلالة لفظ الجوهر على ما يدل عليه ، والكمية على ما تدل عليه. ولها أحوال تعرض لها من حيث هى متصورة ، كالكلى والجزئى والذاتى والعرضى ، وأمثال ذلك مما يعرض لها من حيث هى معقولة متصورة ، لا من حيث هى موجودة.وذلك أن الإنسان من حيث هو إنسان لا تعرض له الكلية ولا الجزئية ولا الذاتية ولا العرضية ولا من حيث هو موجود فى الأعيان ، بل إنما تعرض له من حيث هو موجود معقول ، ويعرض العقل فيه هذه الاعتبارات ـ فيكون موضوع المنطق على هذا الوجه.
موضوعات العلوم إما بسيطة وإما مركبة. والبسيط منها عامة كالموجود الذي هو موضوع العلم الكلى. ثم الموجود ينقسم إلى قسمين : مفارق وغير مفارق. فالمفارق هو المخصوص باسم العلم الإلهى ، وهو النظر فى الموجودات البريئة عن المواد. وغير المفارق ما سواه من العلوم المركبة ، مما يكون من علمين ، وبعضها يكون علما تحت علم ، وبعضها لا يكون كذلك. فإن الطب موضوعه نوع من الأجسام الطبيعية ، وهو تحت العلم الطبيعى. وعلم الهيئة نظر فى مقادير مخصوصة ، وتلك فى الأجسام الفلكية ، وهو داخل فى علم الهندسة. وما لا يكون تحت علم ، كالموسيقى ، فإن موضوعه صوت مع نسبة ، والصوت طبيعى ، والنسبة عددى.
موضوع العلم الكلى لا يجب أن يخصص بعلم دون علم ، فهو إذن يشارك جميع العلوم. وموضوع العلم الجزئى مخصص ، ولذلك لا تقع فيه الشركة. وإذا تخصص موضوع العلم الكلى بأن يفصل لك أنواعه ، كان ذلك النوع المفصل إليه مبدءا لعلم جزئى : مثاله الموجود الذي هو موضوع العلم الكلى ، إذا انفصل إلى الجوهر والعرض ، ثم إذا انفصل الجوهر إلى الجسم ، ثم إذا انفصل الجسم إلى المتحرك والساكن ـ كان ذلك موضوع العلم الطبيعى.
وكذلك الحكم فى الغاية والفاعل ، فإنهما فى العلم الكلى. وإذا انفصل كل واحد منهما إلى الغاية التي هى غاية الحركة ، أى ما يتحرك إليه الشىء ، وإلى الفاعل الذي هو مبدأ الحركة ـ كان مبدأ العلم الطبيعى.
والعلم الغائى (١) وقعت فيه شبهة فى كيفية دخولها فى العلم الكلى ، إذ قد يظن أنها لا توجد فى جميع العلوم الجزئية ، حتى يجب أنه ينظر فيها صاحب العلم
________________
١) ب : المالى.
