وقال نفيل أيضا في ذلك :
|
ألا حييت عنا يا ردّينا |
|
نعمناكم مع الإصباح عينا |
|
رديّنة لو رأيت ولم تريه |
|
لدى جنب المحصّب ما رأينا |
|
إذا لعذرتني وحمدت رأيي |
|
ولم تأسي على ما فات بينا |
|
حمدت الله إذ عاينت طيرا |
|
وخفت حجارة تلقى علينا |
|
فكلّ القوم يسأل عن نفيل |
|
كأن عليّ للحبشان دينا (١) |
ونفيل ينظر إليهم من بعض الجبال وقد صرخ القوم وهاج بعضهم في بعض ، وخرجوا يتساقطون بكلّ طريق ويهلكون على كل منهل ، وبعث على أبرهة داء في جسده ، فجعل تتساقط أنامله ، كلّما سقطت أنملة أتبعتها مدة من قيح ودم ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه ، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
وزعم مقاتل بن سليمان أنّ السبب الذي جرّ حديث أصحاب الفيل هو أنّ قبيلة من قريش خرجوا تجّارا إلى أرض النجاشي ، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر وفي حقف من أحقافها بيعة النصارى يسمّيها قريش : الهيكل ، ويسمّى النجاشي وأهل أرضة : اطاسر حنان ، فبرك القوم في سدّها فجمعوا حطبا ثم أجّجوا نارا فاشتووا ، فلمّا ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف ، فعجّت الرياح فاضطرم الهيكل نارا ، فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأخبره فأسف عند ذلك غضبا للبيعة ، فبعث أبرهة لهدم الكعبة [وما لقيه].
وكان بمكّة يومئذ أبو مسعود الثقفي ، وكان مكفوف البصر يصيّف بالطائف ويشتو بمكّة ، وكان رجلا نبيها نبيلا يستسقم الأمور برأيه ، وهو أول راتق وأول فاتق ، وكان خليلا لعبد المطّلب ، فقال عبد المطلب : يا أبا مسعود ماذا عندك؟ هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك.
فقال أبو مسعود لعبد المطّلب : اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرما لله ، وقلّدها نعلا ثم أثبتها في الحرم لعلّ بعض هذه السودان تعقر منها فيغضب ربّ هذا البيت فيأخذهم ، ففعل ذلك عبد المطّلب ، فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها فجعل عبد المطلب يدعو.
فقال أبو مسعود : [قال عبد المطلب] : إنّ لهذا البيت لربّا يمنعه ، فقد نزل تبع ملك اليمن بصخر هذا البيت وأراد هدمه ، فمنعه الله وابتلاه وأظلم عليه ثلاثة أيام ، فلمّا رأى ذلك تبّع كساه القباطي البيض وعظّمه ونحر له جزرا ، فانظر نحو البيت.
__________________
(١) المصدر السابق : ١ / ٥٥٥ ، وتفسير القرطبي : ٢٠ / ١٩٩ ، والبداية والنهاية : ٢ / ٢١٦.
![الكشف والبيان [ ج ١٠ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1673_alkashf-valbaian-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
