وقال بعض أهل العلم بأخبار الماضين وسير المتقدمين : بلغني أنّه كان رسّان : أمّا أحدهما فكان أهله أهل بدو وعمود وأصحاب مواشي فبعث الله إليهم رسولا فقتلوه ، ثم بعث إليهم رسولا آخر وعضده بولي فقتل الرسول وجاهدهم الولي حتى أفحمهم وكانوا يقولون إلهنا في البحر وكانوا على شفيره ، وأنّه كان يخرج إليهم من البحر شيطان في كل شهر خرجة فيذبحون عنده ويجعلونه عيدا فقال لهم الولي : أرأيتكم إن خرج إلهكم الذي تعبدونه فدعوته فأجابني وأمرته فأطاعني أتجيبونني الى ما دعوتكم إليه؟ قالوا : بلى فأعطوه عهودهم ومواثيقهم على ذلك فانتظروا حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات وله عنق مستعلية ، وعلى رأسه مثل التاج ، فلمّا نظروا إليه خرّوا سجّدا وخرج الولي إليه فقال : ائتني طوعا أو كرها باسم الله الكريم فنزل عند ذلك عن أحواته فقال له الولي : ائتني عليهن لئلّا يكون من القوم في أمره شك ، فأتى الحوت وأتين به حتى أفضن الى البر يجرّونه ويجرّهم ، فكذبوه بعد ذلك فأرسل الله عليهم ريحا فقذفهم في البحر وقذف في البحر مواشيهم وما كانوا يملكون من ذهب وفضة وآنية ، فأتى الولي الصالح الى البحر حتى أخذ الذهب والفضة والأواني فقسمها على أصحابه بالسويّة ، وانقطع نسل هؤلاء القوم.
وأما الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه فكان فيهم أنبياء كثيرة قل يوم يقوم فيهم نبيّ إلّا قتل ، وذلك النهر بمنقطع أذربيجان بينهما وبين أرمينية فإذا قطعته مدبرا ذاهبا دخلت في حدّ أرمينية ، وإذا قطعته مقبلا دخلت حدّ أذربيجان وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان ومن قدّامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران ، وهم كانوا يعبدون الحواري العذارى فإذا تمّت لإحداهن ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها.
وكان عرض نهرهم ثلاث فراسخ وكان يرتفع في كل يوم وليلة حتى بلغ أنصاف الجبال التي حوله ، وكان لا ينصب في بر ولا بحر ، إذا خرج من حدّهم يقف ويدور ثم يرجع ، إليهم فبعث الله سبحانه إليهم ثلاثين نبيّا في شهر واحد فقتلوهم جميعا ، فبعث الله إليهم نبيّا وأيّده بنصره وبعث معه وليّا فجاهدهم في الله حقّ جهاده ونابذوه على سواء ، فبعث الله ميكائيل وكان ذلك في أوان وقوع الحب في الزرع وكانوا إذ ذاك أحوج ما كانوا إلى الماء ففجر نهرهم في البحر ، فانصبّ ما في أسفله وأتى عيونها من فوق فسدّها.
وبعث الله أعوانه من الملائكة خمسمائة ألف ففرّقوا ما بقي في وسط النهر ، ثم أمر الله سبحانه جبرئيل ، فنزل فلم يدع في أرضهم عينا لا ماء ولا نهر إلّا أيبسه بإذن الله تعالى ، وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتها ربضة واحدة ، وأمر الرياح الأربع الجنوب والشمال والصبا والدبور فقصمت ما كان لهم من متاع ، وألقى الله عليهم السبات ثم خفقت الرياح الأربع بما كان من ذلك المتاع أجمع ، فنهبته في رؤوس الجبال وبطون الأودية.
![الكشف والبيان [ ج ٧ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1669_alkashf-valbaian-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
