عبادة بن نضلة الأنصاري : يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة؟ وأشرافكم قتل أسلمتموه ، فمن الآن فهو والله خزي في الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون بالعهد له فيما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : «الجنة». قالوا : ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه ، فأول من ضرب على يده البراء بن معرور ، ثم تتابع القوم. قال : فلما بايعنا رسول الله صلىاللهعليهوسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط : يا أهل الجباجب (١) هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «هذا والله زنا العقبة اسمع أي عدو الله ، أما والله لأفرغن لك». ثم قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ارجعوا إلى رحالكم». فقال له العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم».
قال : فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا [ف] غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا وقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، فإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه. وصدقوا لم يعلموا. وبعضنا ينظر إلى بعض ، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال : فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا : يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ. وأنت سيد من ساداتنا. مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟
قال : فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ، ثم رمى بهما إليّ وقال : والله لتنتعلنّهما ، فقال أبو جابر : والله أخفظت الفتى فاردد إليه نعليه. قال : قلت : لا أردهما ، قال : والله صلح ، والله لئن صدق لأسلبنه.
قال : ثم انصرف أبو جابر إلى المدينة ، وقد شدّدوا العقد ، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لأصحابه : «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها» [٨٥] (٢).
فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم الأنصار ، فكان ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، ثم عبد الله بن
__________________
(١) الجباجب هنا المنازل وفي الصحاح : الجبجبة جمع جباجب : زبيل من جلود ينقل فيه التراب ، وتسمّى «القفّة» راجع لسان العرب : ٨ / ٢٩١.
(٢) بطوله في تاريخ الطبري : ٢ / ٨٨ إلى ٩٤ ، ومسند أحمد : ٣ / ٤٦٢.
![الكشف والبيان [ ج ٣ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1649_alkashf-valbaian-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
