الكلبي : نزلت في أحد عشر أصحاب الحرث بن سويد ، لما رجع الحرث قالوا : نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا ، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا ، فينزل فينا ما نزل في الحرث ، فلمّا فتح رسول الله صلىاللهعليهوسلم مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته ، فنزل فيمن مات منهم كافرا (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) الآية ، فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) وقد سبقت حكمة الله تعالى في قبول توبة من تاب؟ قلنا : اختلف العلماء فيه ، فقال بعضهم : لن يقبل توبتهم عند الغرغرة والحشرجة.
قال الحسن وقتادة وعطاء : لن يقبل توبتهم لأنّهم لا يؤمنون إلّا عند حضور الموت ، قال الله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) ... الآية.
مجاهد : لن يقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر. ابن عباس وأبو العالية : لن يقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً) أي حشوها ، وقدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ذهبا ، نصب على التفسير في قول الفراء.
وقال المفضّل : ومعنى التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم ، كقولك : عندي عشرون ، فالعدد معلوم والمعدود مبهم ، وإذا قلت : عشرون درهما فسّرت العدد ، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس ، فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء هو ، فإذا قلت : وجها أو فعلا منه فإنّك بيّنته ونصبته على التفسير ، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه ، فلمّا خلا من هذين نصب لأنّ النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه ، وقال الكسائي : نصب ذهبا على إضمار من ، أي من ذهب كقولهم : (أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً) أي من صيام.
(وَلَوِ افْتَدى بِهِ) : روى قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ فيقول : نعم ، فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك» [٧٧] (١) ، قال الله : (أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) (٢).
(لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ) : يعني الجنّة ، قاله ابن عباس ومجاهد وعمر بن ميمون والسدّي ، وقال عطية : يعني الطاعة.
أبو روق : يعني الخير ، مقاتل بن حيان : التقوى ، الحسن : لن يكونوا أبرارا.
__________________
(١) مسند أحمد : ٣ / ٢١٨ ، جامع البيان للطبري : ٣ / ٤٦٨.
(٢) سورة آل عمران : ٩١.
![الكشف والبيان [ ج ٣ ] الكشف والبيان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1649_alkashf-valbaian-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
