وقالَ أَبو حاتِمٍ : اللامُ في قَوْلِه تعالَى : (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١) إنَّها لامُ اليَمِيْن كأَنَّه قالَ : ليَجْزِيَنَّهم اللهُ ، فحذفَ النُّون ، وكَسَروا اللامَ وكانتْ مَفْتوحةً ، فأَشْبَهَتْ في اللفْظِ لامَ كَيْ فنَصَبُوا بها كما نَصَبُوا بلامِ كَي.
ورَدَّه ابنُ الأَنْبارِي وقالَ : لامُ القَسَم لا تُكْسَر ولا يُنْصَبُ بها وأَيَّده الأَزْهرِيُّ.
وقالَ أَبو بكْرٍ : سأَلَتْ أَبا العبَّاس عن اللامِ في قوْلِه تعالَى : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) (٢) ، قالَ : هي لامُ كَيْ : أَي لكَي يَجْتَمِعَ لَكَ مع المَغْفرَةِ تمامُ النّعْمَةِ في الفتْحِ ، فلمَّا انْضَمَّ إلى المَغْفِرَةِ شيءٌ حادِثٌ واقِعٌ حسُنَ معْنَى كي.
ومِن أَقْسامِ اللاماتِ.
لامُ الأَمْرِ ، اللام أَكْثَر ما اسْتُعْمِلَت في غيرِ المُخاطِبِ ، وهي تَجْزمُ الفعْلَ ، فإن جاءَتْ للمُخاطبِ لم يُنْكَر. قالَ اللهُ تعالَى : (فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) (٣) ، ويقوِّيه قِراءَةُ أُبيِّ فبذلك فافْرَحُوا ؛ وقَرَأَ يَعْقوبُ الحَضْرميُّ أَيْضاً بالتاءِ ، وهي جائِزَةٌ.
وكان الكِسائيُّ يَعَيبُ على هذه القِراءَةِ.
ومنها : لامُ أَمْرِ المُواجَهِ ، قالَ الشاعِرُ :
|
قلتُ لبَوَّابٍ لَدَيْه دارُها |
|
تِئْذَنْ فإِنِّي حَمْؤُها وجارُها (٤) |
أَرادَ لِتَأْذَنَ ، فحذَفَ اللامَ وكَسَر التاءَ ، كما في الصِّحاحِ.
وقالَ الزَّجَّاجُ : قوْلُه تعالَى : (وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) (٥) بسكونِ اللامِ وكَسْرِها ، وهو أَمْر في تأْوِيلِ الشَّرْط.
وقالَ الجَوْهرِيُّ : اللامُ السَّاكنَةُ على ضَرْبَيْن : أَحَدُهما : لامُ التَّعْريفِ ولسُكونِها أُدْخِلَتْ عليها أَلفُ الوَصْل ليصحَّ الابْتِداءُ بها ، فإذا اتَّصلَتْ بما قَبْلها سَقَطَتِ الأَلفُ كقَوْلِك : الرَّجُلِ ؛ والثاني : لامُ الأمْرِ : إذا ابْتَدَأْتَها كانتْ مَكْسورَةً ، وإن أَدْخلْتَ عليها حَرْفاً مِن حُروفِ العَطْفِ جازَ فيها الكَسْرُ والتَّسْكِين كقَوْلِه تعالَى : (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) (٦).
ومنها : اللَّاماتُ التي تُؤكَّدُ بها حروفُ المُجازَاةِ ، ويُجابُ بلامٍ أُخْرَى تَوْكيداً كقَوْلِك : لئنْ فَعَلْتَ كذا لَتَنْدَمَنَّ.
ومِن اللَّاماتِ التي تَصْحبُ إنَّ : فمرَّةً تكونُ بمعْنَى إلَّا ، ومرَّةً تكونُ صِلَةً وتَوْكيداً كقَوْلِه تعالَى : (إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً) (٧) ؛ فمَنْ جَعَلَ إنْ جَحْداً جَعَلَ اللامَ بمنْزِلَةِ إِلَّا ، أَي إِلَّا مَفْعولاً ، ومَنْ جَعَلَ إنْ بمعْنَى قد جَعَلَ اللامَ تأْكِيداً ؛ ومِثْلُه قَوْله تعالَى : (إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) (٨) ، يَجوزُ فيه المَعْنيان.
ورَوَى المُنْذرِيُّ عن المبرِّدِ قالَ : إذا اسْتَغَثْت بواحِدٍ أَو بجماعَةٍ فاللامُ مَفْتوحَة ، وكَذلِكَ إذا كُنْت تَدْعُوهم ، فأمَّا لامُ المَدْعوِّ إليه فإنَّها تُكْسَر.
ويقُولونَ : يا لَلْعَضِيهةِ ويا لَلْأَفيكَةِ ، فإن أَرَدْت الاسْتِغاثَةَ نَصَبْت اللامَ ، أَو الدُّعاء بمعْنَى التَّعَجُّب منها كَسَرْتها ، كأَنَّك أَرَدْت : يا أَيُّها الرَّجلُ اعْجَبْ لَلْعَضِيهةِ ، ويا أَيُّها الناسُ اعْجَبوا لَلْأَفِيكَةِ.
وقالَ ابنُ الأَنْبارِي : لامُ الاسْتِغاثَةِ مَفْتوحَةٌ وهي في الأَصْل لامُ خَفْضٍ ، إلَّا أنَّ الاسْتِعْمالَ فيها قد كَثُرَ مع يا ، فجُعِلا حَرْفاً واحِداً.
ومِن اللّاماتِ ، لامُ التَّعْقِيبِ للإِضافَةِ ، وهي تَدْخلُ مع الفِعْل الذي معْناهُ الاسْم كقَوْلِك : فلانٌ عابرٌ للرُّؤْيا وعابرُ الرُّؤْيا ، وفلانٌ راهِبُ رَبِّه ، وراهبٌ لرَبِّه.
ومنها : اللامُ الأَصْلِيَّة ، كقَوْلِك : لَحْمٌ لَعِسٌ لَوْمٌ.
ومنها : الزائِدَةُ في الأَسْماءِ وفي الأَفْعالِ كقَوْلِك :
__________________
(١) التوبة ، الآية ١٢١.
(٢) الفتح ، الآية ٢.
(٣) يونس ، الآية ٨٥.
(٤) اللسان والصحاح.
(٥) العنكبوت ، الآية ١٢.
(٦) المائدة ، الآية ٤٧.
(٧) الإسراء ، الآية ١٠٨.
(٨) الصافات ، الآية ٥٦.
![تاج العروس [ ج ١٧ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1589_taj-olarus-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
