وغير ذلك ، كلّها ترجع إلى اُصولها الثلاثة : التوحيد والمعاد والنبوّة وما يتعلّق بها ، وإلى هداية الناس إلى ما فيه الخير والصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ، وهذه السورة المقدّسة على اختصارها وقلّة كلماتها تحتوي على جميعها في أوجز لفظ وأوضح معنى ، والغرض الأساس من الوحي والدين هو حفظ اُصوله ، ثمّ فروعه ومعارفه.
وأوّل المعرفة وأوّل العلم معرفة اللّه جلّ جلاله ، وتوحيده في الذات والصفات والأفعال ، ثمّ المعرفة بصفاته وأفعاله ، ثمّ معرفة يوم الدين ، يوم جزاء المؤمن على طاعته والكافر على معصيته وكفره ، وأنّ اللّه مالك ذلك اليوم وإليه الحساب ، ومَن عرف المعاد صلح في عمله ، فإنّ معرفة المعاد والإيمان به تحثّ المكلّف على الطاعة والعمل الصالح ، وأفضل الأعمال العبادة ، فهي فلسفة الحياة ، وسرّ الخليقة ، وإنّما يستحقّ العبادة ربّ العالمين; (إيَّاكَ نَعْبُدُ) ، ولا تكون إلاّ إذا وثق العبد بربّه وتوكّل عليه واستعان به; (وَإيَّاكَ نَسْتَعِين) ، إنّما تنقاد النفس إلى الطاعة بلطف من اللّه وعنايته فندعو اللّه; (اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيم) ، صراط محمد وآله ، فيحتاج الإنسان إلى من يبيّن هذا الصراط ، فلا بدّ من النبوّة والإمامة ، وأشار بقوله : (صِراطَ الذِّينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ، وأنّ الناس في المعرفة باللّه والإيمان والعمل على طوائف ثلاثة : فمنهم : مَن وصل إلى ساحل المعرفة وعصر النور الذي يسعى بين أيديهم ، فاستغرقوا في الطاعة والعمل ، ومنهم : مَن عاند واستخفّ بأوامر اللّه ونواهيه وأعرض عن المعرفة ، فغضب اللّه عليه ، ومنهم : من تاه في الجهالة وبقي حيران في وادي الظلمات وظلّ الطريق. فالطائفة الاُولى : الذين أنعم اللّه عليهم ، والثانية : المغضوب عليهم ، والثالثة : الضالّين ، كما كانت هذه الطوائف في الاُمم السالفة.
