الكلية والجزئية (وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) بمنزلة القاصر عن مشاهدة الشمس بعينه المتوسّل إلى ملاحظتها بالماء الصافي أو المرآة الصافية ، فإنّ الاسم من حيث أنّه اسم وعلامة للشيء لا يعتبر له استقلال وهوية بل يلاحظ به المسمّى ويجعل آلة للحاظه ، كالناظر إلى الشمس من المرآة والماء فإنّه ينبغي غفلته عن ملاحظة صفات الماء والمرآة واستغراقه في مشاهدة صفات الشمس الظاهرة له بتوسّط الماء ، فتسبيحه حينئذ لما ظهر في الماء تسبيح للشمس ، والماء مظهر لها. وأمّا من يرى الماء شيئاً مستقلا ويشاهده وصفاته فهو غير ناظر إلى الشمس ولا إلى علامته ، بل إلى أمر آخر محتجب به عن الشمس ، وكذا المستعين بحقائق الأسماء الإلهية أو ألفاظها ومسبّحها قد يكون مسبّحاً له سبحانه ومستعيناً به بإيقاع الألفاظ والحقائق عليه وهو الموحّد في ذلك المقام ، وقد يكون مسبّحاً للألفاظ والحقائق ومحتجباً بها عنه سبحانه وهو من أخفى أقسام الشرك ، انتهى كلامه رفع مقامه.
وإنّما ذكرت ما بيّنه في معنى الاستعانة بسم اللّه لما فيه من الدقّة والظرافة ، ونقول في أمير المؤمنين علي المرتضى وأنّه يستعان به لا على نحو الاستقلالية ، بل هو من أسماء اللّه وأنّه مرآة صافية تطبع فيها حقائق الأسماء الإلهية ، وهذا من عين التوحيد الخالص ، فإنّ ذات الحقّ سبحانه منزّهاً عن تعلّق إدراكنا وفهمنا به ، فكلّ ما نتصوّره فهو مخلوق لنا ، فإنّه غيب محض لا يصحّ الإشارة إليه لا عقلا ولا وهماً ، وإنّما يظهر لنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله وآثاره المتجلّية في أتمّ مخلوقاته ، محمد وآله الطاهرين ، فتدبّر جيّداً.
ثمّ يستعان بأمير المؤمنين في كلّ الاُمور ، فهو مظهر لتمام الاستعانة باللّه سبحانه ، فإنّ نهاية أدب العبد غمض العين عن حوله وقوّته والإلتجاء إلى اسم ربّه
