قلت : ضربت زيدا كنت قاصدا للإخبار بضرب زيد ، ثم ظهر لك أنك غلطت فيه فتضرب عنه إلى عمرو ، وتقول بل عمرا ، ففي الإضراب تبطل الحكم السابق ، وفي الاستدراك لا تبطله ، انتهى. يعني أن في الاضراب تجعل المعطوف عليه في حكم المسكوت عنه فلا تحكم عليه بشيء لا ينفي ولا بإثبات ، فقد أبطلت الحكم السابق الذي قصدت الإخبار به قبل الإضراب بكلمة بل ، وليس المراد (١) ببطلان الحكم السابق إثبات نقيض الحكم السابق في المعطوف عليه ، ويؤيده ما في الأطول من أن معنى الإضراب جعل الحكم الأول موجبا كان أو غير موجب كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه ، وما في المطول من أن معنى الإضراب أن يجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه يحتمل أن يلابسه الحكم وأن لا يلابسه ، فنحو جاءني زيد بل عمرو يحتمل مجيء زيد وعدم مجيئه انتهى.
اعلم أنّ الاستدراك بهذا المعنى إن تضمن ضربا من المحاسن يصير من المحسّنات البديعة معدودا في علم البديع ، قال صاحب الإتقان : شرط كون الاستدراك من البديع أن يتضمن ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي ، نحو : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) (٢) فإنه لو اقتصر على قوله لم تؤمنوا لكان منفّرا لهم لأنهم ظنّوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا ، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب واللسان وأن انفراد اللسان بذلك يسمّى إسلاما ولا يمّى إيمانا ، وزاد ذلك إيضاحا بقوله : (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (٣) فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن ، انتهى.
ويطلق الاستدراك على معنى آخر أيضا ذكره صاحب جامع الصنائع ، قال : الاستدراك هو أن يبدأ المدح بلفظ يظن أنه قدح ، ثم يعود للإتيان بألفاظ تعود للمدح. ومثاله :
|
علمك مكسور الرأس لانّه |
|
قد طلع فوق الفلك |
ويقول صاحب مجمع الصنائع إن هذا النوع يسمّى التدارك (٤).
الاستدلال : [في الانكليزية] Research ofthe proof (inference) ـ [في الفرنسية] Recherche de la preuve (inference)
في اللغة طلب الدليل ، وفي عرف الأصوليين يطلق على إقامة الدليل مطلقا من نصّ أو إجماع أو غيرهما ، وعلى نوع خاص منه أيضا ، فقيل هو ما ليس بنصّ ولا إجماع ولا قياس ؛ ولا يتوهّم أنّ هذا التعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء بسبب كونه تعريف بعض أنواع منه ببعض ، بل ذلك تعريف للمجهول بالمعلوم بسبب سبق العلم بالأنواع المذكورة في التعريف ، إذ قد علم تعريف كل من النصّ والإجماع والقياس في موضعه. وقيل مكان قولنا ولا قياس ، ولا قياس علته ، فيدخل في الحدّ القياس بنفي الفارق المسمّى بتنقيح المناط ، وبالقياس في معنى الأصل ، وكذا يدخل قياس التلازم المسمّى بقياس الدّلالة ، لأن نفي الأخص لا يوجب نفي الأعم ،
__________________
(١) المقصود (م ، ع).
(٢) الحجرات / ١٤.
(٣) الحجرات / ١٤.
(٤) استدراك آنست كه بلفظي مدح آغاز كند كه پنداشته آيد مگر قدح خواهد كرد وبعده الفاظى آرد كه بمدح بازگرداند مثاله. شعر.
|
علمت را شكسته سر ز آنست. |
|
كه سر او رسيد بر افلاك. |
وصاحب مجمع الصنائع اين را مسمّى بتدارك نموده.
![موسوعة كشّاف إصطلاحات الفنون والعلوم [ ج ١ ] موسوعة كشّاف إصطلاحات الفنون والعلوم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1548_kashaf-estelahat-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
