لم يكن عثمان بَيْدَقها ، إنَّ عمر بن الخطاب هو الذي زرعه بَيْدَقاً في لُعبة الشطرنج فيها ، لقد كان يعرف ماذا يزرع وكيف يزرع ، ألم يكن أبو بكر بَيْدَقاً أجلسه عمر على كرسي ، ثمَّ مضى يوشوش الكرسي بأنَّه أتقى مَن يغار عليها ، فصدَّقته واستسلمت إليه بقوائمها الأربع؟ وابتدأ العمل الصامت ، إنَّ القبائل التي يجب أنْ تزرع هي التي ستدرُّ عناقيد الرطب.
إنَّ أوَّل فسيلة غرسها بعناية في أرض خَصبة التربة والمناخ ، كانت مُعاوية وفي أرض الشام ، إنَّ ابن سُفيان ـ عدوُّ الإسلام في البارحة وفي الأمس الطويل عدوُّ الطالبيِّين الذين منهم الأمين محمّد ثمَّ النبي محمّد ـ هو السفياني الأمثل والأعند ، هو الذي ـ إذا يمتن عوده ويخشن ـ يتمكَّن مِن دحر عتوِّ كلِّ طالبيٍّ وسع صدره نبيُّهم الأوحد! أجل ، سيكون علي مِن أهل البيت ، ولكنَّ مُعاوية هو الذي سيجعله داخل البيت لا خارج البيت ، يصول بالنبوَّة ويجول.
إنَّه الحقد القبائلي مزروعة كلُّ فسائله في طويَّة ابن الخطَّاب المُقتدر ، الذي يعرف كيف يُعالج ـ بصمت ودهاء ـ كلَّ جِبلَّة مِن جِبلاَّت التراب ، وكيف ينفخ فيها مِن روحه حتَّى تستوي حِقداً يحذف به عليَّاً مِن أركان البيت النبوي.
أمَّا عثمان بن عفَّان ، فعمر هو الذي نفخ إليه بصمت بالغ الفنِّ ، بأنْ يُسرع في تعهُّد النخلة المزروعة في أرض الشام ، والتي ستدرُّ الكثير مِن الرطب ، إنَّ عمرها مِن عمر الجدود ، ولقد كان يتظلَّل بها : حرب ، وأُميَّة ، وأبو سفيان ، ويأكلون كلَّ بُسرَة منها قبل أنْ تنضج ؛ حتَّى لا يمدُّ يداً إليها ـ ناضجة ـ أحد مِن أبناء عمرو العُلا ، إنَّها هي المنقولة بحُرص إلى أرض الشام ، مُنذ عشر سنين ، إنَّ اسمها الآن مُعاوية.
تلك هي القِصَّة المكيدة التي أدرك كلَّ أبعادها وخفاياها الإمام عليٍّ ، والتي كانت تزرع في باله تخوُّفا بالغ الخطورة على مصيرهم بصفتهم أهل البيت ،
