يكونَ السَّبيلَ هنا اسمُ جِنْسٍ لا سَبيلاً واحِداً بعَيْنِه لقولِهِ وَمِنْها جائِرٌ أي ومنها سَبيلٌ جائِرٌ.
وقَوْلُه تعالَى : (وَ) أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ (١) (اللهِ) ، أَي في الجِهادِ وكلِّ ما أَمرَ الله به من الخَيْرِ فهو من سَبيلِ الله ، واسْتِعْمالُهُ في الجِهادِ أَكْثَرُ لأَنَّه السَّبيلُ الذي يُقاتَلُ فيه على عَقْدِ الدِّين ، وقَوْلُه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أُرِيدَ به الذي يُريدُ الغَزْوَ ولا يجدُ ما يُبَلِّغُه مَغْزاه ، فيُعْطى من سَهْمه ، وكُلُّ سَبيلٍ أُرِيدَ به الله ، عَزَّ وجَلَّ ، وهو بِرٌّ دَاخلٌ في سَبيلِ الله ، وإذا حَبَّس الرَّجلُ عُقْدةً له وسَبَّل ثَمَرَها أَو غَلَّتها فإنَّه يُسْلَك بما سَبَّل سَبيلُ الخَيْرِ يُعْطى منه ابنُ السَّبيلِ والفقيرُ والمجاهِدُ وغيرُهم.
وقالَ ابنُ الأَثِيرِ : وسَبيلُ الله عامٌّ يقَعُ على كلِّ عملٍ خالصٍ سُلِكَ به طَرِيقُ التقرُّبِ إلى الله ، عزوجل ، بأَداءِ الفَرَائِضِ والنَّوافِلِ وأَنْواعِ التَّطَوُّعات ، وإذا أُطْلِق فهو في الغالِبِ واقِعٌ على الجِهادِ حتى صَارَ لكَثْرَةِ الاسْتِعْمالِ كأَنَّه مَقْصورٌ عليه.
وأَمَّا ابنُ السَّبيلِ : فهو ابنُ الطَّريقِ أي المسافِرُ الكَثِيرُ السَّفَرِ ، سُمِّي ابْناً لها لمُلازَمَته إيّاها ، قالَهُ ابنُ الأَثِيرِ.
وقالَ الرَّاغِبُ : هو المسافِرُ البَعيدُ عن مَنْزِلِهِ نُسِبَ إلى السَّبيلِ لمُمَارَسَتِه إيّاه.
وقالَ ابنُ سِيْدَه : تَأْوِيلُه الذي قُطِعَ عليه الطَّريقُ. زَادَ غيرُه : وهو يُريدُ الرُّجوعَ إلى بلدِهِ ولا يجدُ ما يَتَبَلَّغ به ؛ وقيلَ : هو الذي يُريدُ البَلدَ غَيْر بلدِهِ لأَمْرٍ يلْزَمُه.
وقالَ ابنُ عَرَفة : هو الضَّيفُ المُنْقَطِعُ به يُعْطَى قَدْرَ ما يُتَبَلَّغُ به إلى وَطَنِه.
وقالَ ابنُ بَرِّي : هو الذي أَتَى به الطَّريقُ ، قالَ الرَّاعِي :
|
على أَكْوارِهِنَّ بَنُو سَبِيلٍ |
|
قَلِيلٌ نَوْمُهُم إلَّا غِرَارا (٢) |
وقالَ آخَر :
|
ومَنْسوب إِلى مَنْ لم يَلِدْه |
|
كَذَاك الله نَزَّل في الكِتابِ (٣) |
والسَّابِلَةُ من الطُّرُقِ ، قالَ بعضُهم : ولو قالَ من السُّبُلِ لوافَقَ اللَّفْظ والاشْتِقَاق ، المَسْلوكَةُ ، يقالُ : سَبِيلٌ سابِلَةٌ أي مَسْبولَةٌ.
والسَّابِلَةُ أَيْضاً : القومُ المُخْتَلِفَةُ عليها في حوائِجِهم جَمْعُ سَابِل وهو السَّالِكُ على السَّبيلِ ويُجْمَعُ أَيْضاً على السَّوابِلِ.
وأَسْبَلَتِ الطَّريقُ : كَثُرَتْ سابِلَتُها أَي أَبْناؤُها المُخْتَلِفُون إليها.
وأَسْبَلَ الإِزَارُ : أَرْخَاه ، ومنه الحدِيثُ : «نَهَى عن إِسْبالِ الإِزَارِ ، وقالَ : إنَّ الله لا يَنْظُر إلى مسْبِلٍ إزَارَه».
وفي حدِيثٍ آخَرَ : «ثلاثَةٌ (لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) و (لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) و (لا يُزَكِّيهِمْ) ، فذَكَرَ : المُسْبِلُ والمَنَّان والمُنْفِق سِلْعَته بالحَلِفِ الكاذِب» ؛ قالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ وغَيْرِه : المُسْبِلُ الذي يُطَوِّلُ ثَوْبَه ويُرْسِلُه إلى الأَرْضِ إذا مَشَى وإنَّما يَفْعلُ ذلِكَ كِبْراً واخْتيالاً.
ومِنَ المجازِ : وقَفَ على الدَّارِ فأْسْبَلَ دَمْعَه (٤) أَي أَرْسَلَه ويُسْتَعْملُ أَيْضاً لازِماً ، يقالُ : أَسْبَلَ دَمْعُهُ أَي هَطَلَ.
وأَسْبَلَتِ السَّماءُ : أَمْطَرَتْ وأَرْخَتْ عثانِيْنَها إلى الأَرْضِ.
وفي الأَسَاسِ : أَسْبَلَ المَطَرُ : أَرْسَلَ دَفْعَه (٥) وتَكَاثَفَ كأَنَّما أَسبلَ سِتْراً وهو مجازٌ.
والسَّبولَةُ ، بالفتحِ ، ويُضَمُّ والسَّبَلَةُ ، محرَّكةً ، والسُّنْبُلَةُ ، بالضمِّ ، كقُنْفُذَةٍ ، الزَّرْعَةُ المائِلَةُ ، الأُوْلَى لُغَةُ بنِي هميان ، نَقَلَه السهيليُّ في الرَّوْضِ ، والأَخِيرَةُ لُغَةُ بنِي تَمِيْمٍ.
وقالَ اللَّيْثُ : السَّبولَةُ هي سُنْبُلَةُ الذُّرَةِ والأَرُزِّ ونَحْوِه إذا مالَتْ.
ومِنَ المجازِ : السَّبَلُ : محرَّكةً ، المَطَرُ المُسْبِلُ ، يقالُ : وَقَعَ السَّبَلُ ، قالَ لَبِيدٌ رَضِيَ الله تعالى عنه :
|
راسِخُ الدِّمْنِ على أَعْضَادِهِ |
|
ثَلَمتْهُ كلُّ رِيحٍ وسَبَلْ(٦) |
__________________
(١) البقرة الآية ١٩٥.
(٢) ديوانه ط بيروت ص ١٤٥ وانظر تخريجه فيه ، واللسان.
(٣) اللسان بدون نسبة.
(٤) في القاموس : «والدَّفْعَ».
(٥) عن الأساس وبالأصل «دفعة».
(٦) ديوانه ط بيروت ص ١٤٣ والضبط عنه.
![تاج العروس [ ج ١٤ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1523_taj-olarus-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
