وفي الارْتِشافِ : كَيْفَ : يكونُ اسْتِفْهاماً ، وهي لتَعْمِيم الأَحْوالِ ، وإذا تَعَلَّقَت بجمْلَتَيْنِ ، فقالُوا : يكونُ للمُجازاةِ من حَيْثُ المَعْنَى لا مِنْ حَيْثُ العَمَل ، وقَصُرت عن أَدَواتِ الشَّرْطِ بكَوْنِها لا يَكُونُ الفِعلانِ مَعَها إِلا مُتَّفِقَيْنِ نحو : كيفَ تَجْلِسُ أَجلِسُ.
وَقالَ شَيْخُنا : كَيْفَ : إِنما تُسْتَعْمَلُ شَرْطاً عند الكُوفِيِّينَ ، وَلم يَذْكُرُوا لها مِثالاً ، واشْتَرَطُوا لها ـ مع ما ذَكَر المُصنِّفُ ـ أَن يَقْتَرِنَ بها «ما» فيُقالُ : كَيْفَما ، وأَمّا مُجَرَّدةً فلم يَقُل أَحَدٌ بشَرْطِيَّتِها ، ومن قالَ بشَرْطِيَّتِها ـ وهم الكُوفِيُّون ـ يَجْزِمُونَ بها ، كما في مَبادِئ العَرَبِيَّةِ ، ففي كلامِ المُصَنِّفِ نَظَرٌ من وَجُوهٍ.
قلتُ : وهذا الَّذِي أَشارَ له شَيْخُنا فقد ذَكَرَه الجوهريُّ حيثُ قالَ : وإذا ضَمَمْتَ إِليه «ما» صَحَّ أَن يُجازَى به تَقُولُ : كَيْفَما تَفْعَلْ أَفْعَلْ.
وَقالَ ابنُ بَرِّيّ : لا يُجازَى بكَيْفَ ، ولا بِكَيْفَما عندَ البَصْرِيِّينَ ، ومِنَ الكُوفِيِّينَ من يُجازِي بكَيْفَما ، فتأَمَّلْ هذا مع كلامِ شَيْخِنا.
وَقال سِيبَوَيْه (١) : إنَّ كَيْفَ : ظَرْفٌ.
وَعن السِّيرافيّ ، والأَخْفَش : لا يَجُوزُ ذلِك أي ، أَنَّها اسمٌ غيرُ ظَرْفٍ.
وَرَتَّبُوا على هذا الخِلافِ أُمورًا : أَحدُها : أنَّ موضِعَها عندَ سِيبَوَيْهِ نَصْبٌ [دائماً] (٢) ، وَعندَهُما رَفْعٌ مع المُبْتَدإِ ، نَصْبٌ مع غيرِه.
الثاني : أنَّ تَقْدِيرَها عندَ سِيبَوَيْهِ في أيِّ حالٍ ، أو عَلَى أيِّ حالٍ ، وعِنْدَهُما تَقْدِيرُها في نحو : كَيْفَ زَيْدٌ؟ أَصَحِيحٌ ، ونحوُه ، وفي نحو : كَيْفَ جاءَ زَيْدٌ؟ راكِباً جاءَ زَيْدٌ ، ونَحْوه.
الثالث : أنَّ الجَوابَ المُطابِقَ عندَ سِيبَوَيْهِ : على خَيْرٍ ، وَنَحْوه (٣) ، وعندَهُما : صَحِيحٌ ، أو سَقِيمٌ ، ونحوه. وقال ابنُ مالِكٍ : صَدَقَ الأَخْفَشُ والسِّيرافيُّ ، لم يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ كَيْفَ ظَرْفٌ ؛ إِذ لَيْسَ زَمانًا ولا مَكانًا ، نَعَم لمّا كانَ يُفَسَّرُ بقَوْلِكَ : على أيِّ حالٍ ـ لكَوْنِه سُؤالاً عن الأَحْوالِ العَامَّةِ ـ سُمِّيَ ظَرْفاً لأَنَّها في تَأْوِيلِ الجارِّ والمَجْرُورِ ، وَاسمُ الظَّرفِ يُطْلَقُ عَلَيْهما (٤) مَجازاً.
وَفي الارتِشافِ : سِيبَوَيْه يَقُول : يُجازَى بكَيْفَ ، والخَلِيلُ يَقُول : الجَزاءُ بِهِ مُسْتَكْرَهٌ ، وقال الزَّجّاجُ : وكُلُّ ما أَخْبَر الله تَعالَى عن نَفْسِه بلَفْظِ كيفَ ، فهو اسْتِخبارٌ على طَرِيقِ التّنْبِيهِ للمُخاطَبِ ، أو تَوْبِيخٌ ، كما تَقَدَّمَ في الآيةِ.
قال ابنُ مالِكٍ : ولا تَكُونُ عاطِفَةً ، كما زَعَمَ بعضُهم (٥) مُحْتَجًّا بقَوْلِه أي الشاعر :
|
إِذا قَلَّ مالُ المَرْءِ لانَتْ قَناتُه |
|
وَهانَ على الأَدْنَى فكَيْفَ الأَباعِدِ؟ (٦) |
لاقْتِرانِه بالفاءِ ونَصُّ ابنِ مالكٍ : ودُخُولُ الفاءِ عليها يَزِيدُ خَطَأَه وُضُوحاً ولأَنَّه هُنا اسمٌ مَرْفُوعُ المَحَلِّ عَلَى الخَبَرِيَّةِ ثم إنَّ المصنِّفَ يستَعْمِلُ كيفَ مُذَكَّرًا تارَةً ، ومُؤَنّثاً أُخْرَى ، وهما جائِزانِ ، فقَالَ اللِّحْيانِيُّ : كيفَ مُؤَنَّثَةٌ ، فإِذا ذُكِّرَتْ جازَ.
والكِيفَةُ ، بالكسرِ : الكِسْفَةُ من الثَّوْبِ قالَه اللِّحْيانِيُّ.
والخِرْقَةُ التي تَرْقَعُ بها ذَيْلَ القَمِيصِ من قُدّامُ : كِيفةٌ وما كانَ مِنْ خَلْفُ فحِيفَةٌ عن أَبي عَمْرٍو ، وقد ذُكِرَ في مَوْضِعِه.
وقال الفَرّاءُ : يقالُ : كَيْفَ لِي بفُلانٍ؟ فتَقُول : كُلُّ الكَيْفِ ، والكَيْفَ ، بالجَرِّ والنَّصْبِ.
وَحِصْنُ كِيفى (٧) ، كضِيزَى : قَلْعَةٌ حَصِينَةٌ شاهِقَةٌ بينَ آمِدَ وَجَزِيرَةِ ابنِ عُمَرَ وفي تاريخ ابنِ خِلِّكان : بَيْنَ مَيَّافارِقِينَ وَجَزِيرةِ ابنِ عُمَرَ. قلتُ : والنِّسْبَةُ إِليه : الحَصْكَفيُّ.
وَقال اللِّحْيانِيّ : كَوَّفَ الأَدِيمَ وكَيَّفَهُ : إذا قَطَعَه من الكَيْفِ ، والكَوْفِ.
__________________
(١) انظر في المغني ص ٢٧٢.
(٢) زيادة عن المغني.
(٣) ثمة سقط في العبارة اضطرب معه المعنى ، وتمامها من المغني : «ونحوه ، وَلهذا قال رؤبة ، وقد قيل له : كيف أصبحت؟ خير عافاك الله ، أي على خير ، فحذف الجار وأبقى عمله ، فإن أجيب على المعنى دون اللفظ قيل صحيح أو سقيم. وعندهما على العكس ، وقال ابن مالك ...
(٤) عن المغني وبالأصل «عليه».
(٥) ممن قال أن كيف تأتي عاطفة عيسى بن موهب ، ذكره في كتاب العلل ، انظر المغني.
(٦) المغني لابن هشام ص ٢٧٣.
(٧) قيدها ياقوت : حصن كَيْفا ، قال : ويقال : كَيْبا ، وأظنها أرمنية.
![تاج العروس [ ج ١٢ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1510_taj-olarus-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
