الدّلِيلِ ، ومَنْ حَفِظَ حُجَّةً على غَيْرِهِ ، وكَوْنُ الرَّاءِ والنُّونِ لا يَجْتَمِعَانِ في كَلِمَةٍ قَدْ سَبَق أَنَّه أَكْثَرِيُّ ، ومَرَّ النَّرْسُ والنّرْجِسُ والنَّرْز والنّرسيان ، وغَيْر ذلِك ، فبَعْدَ أَنْ ثَبَتَ فَرْدٌ وسَلَّمَهُ يَصِحُّ إِثباتُ غَيْرِه ، ولا مانِعَ سِيَّمَا مَعَ نَقْلِ الثِّقَةِ. انْتَهَى.
قُلْتُ : وهذا الَّذِي نَقَلَه ابنُ دُرَيْد قد قَالَ فِيه ـ بعدَ حِكَايةِ القَوْلِ ـ ولا أَحُقّه ، فهُوَ مُتَوَقِّفٌ في صِحّةِ ورُودِ هذِه الكَلِمَةِ ، وسَبَقَ أَنَّه لَيْس من عِنْدِيّاتِ المُصَنّف ، بل سَبَقَه إِلَى ذلِكَ الصّاغَانِيُّ وصاحِبُ اللّسَانِ ، وما ذَكَرَهُ من إِثْبَاتِ كَلِمَاتٍ فِيهَا راءٌ قَبْلَهَا نُونٌ فإِنَّ أَكثرَهَا أَعْجَمِيَّةٌ ، أَو مُعَرّبةٌ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ ، كما قَدّمنا الكَلامَ عَلَيْه عِنْدَ ذِكْرِها ، فكَلامُ شَيْخِنَا هُنَا لا يَخْلُو مِنْ تَعَصُّبٍ فارغٍ ، وغَفْلَةٍ عن النُّصوصِ ، فتأَمّلْ.
[نشش] : النَّشُّ : السّوْقُ الرَّفِيقُ ، عن ابنِ الأَعرابِيّ ، وهو بالسِّينِ : السَّوْقُ الشَّدِيدُ ، وفي حَدِيثِ عُمَرَ ، رضياللهعنهُ : «أَنّه كانَ يَنُشُّ الناسَ بَعْدَ العِشَاءِ بالدِّرَّةِ» أَيْ يَسُوقُهُم إِلَى بُيُوتِهِم ، قالَ شَمِرٌ : صَحَّ الشِّينُ عَنْ شُعْبَةَ في حَدِيثِ عُمَرَ ، وما أُراه إِلاَّ صَحِيحاً ، وكانَ أَبو عُبَيْدٍ يَقُولُ : إِنَّمَا هو يَنُسُّ ، أَو يَنُوشُ.
والنَّشُّ : الخَلْطُ ، عن ابنِ الأَعْرَابِيّ ، ومِنْهُ زَعْفَرَانٌ مَنْشُوشٌ.
والنَّشُّ : نِصْفُ أُوقِيَّةٍ ، وهو عِشْرُونَ دِرْهِماً ، لِأَنَّهُم يُسَمّون الأَرْبَعِينَ دِرْهَماً أُوقِيَّة ، ويُسَمُّون العِشْرِين نَشًّا ، ويُسَمُّون الخَمْسَةَ نَوَاةً ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ ، ومِنْهُ الحَدِيثُ : «أَنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم لَمْ يُصْدِقِ امْرَأَةً من نِسائِه أَكْثَرَ من ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقيّةً يكون (١) المَجْمُوعُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، عَلَى ما ذَهَبَ إِلَيْهِ الجوْهَرِيُّ. وقِيلَ : النَّشُّ : وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وقِيلَ : وَزْنُ خمْسَةِ دَرَاهِمَ ، وقِيلَ : هو رُبْعُ أُوقِيّةٍ.
في (٢) كَلامِ الإِمَامِ الشّافِعِيِّ ، رَضِيَ الله تَعَالَى عنه : والأَدْهَانُ دُهْنَانِ : دُهْنٌ مَنْشُوشٌ (٣) ، ودُهْنٌ لَيْسَ بطِيِّبٍ مِثْل سَلِيخَةِ (٤) البانِ غَيْر مَنْشُوشٍ ، قالَ الأَزْهَريُّ : أَيْ مُرَبَّبٌ بالطِّيبِ المَخْلُوطِ ، وفي حَدِيثِ الزُّهْرِيّ «أَنّه كَرِهَ للمُتَوفَّى عَنْهَا [زوجها] (٥) الدّهْنَ الَّذِي يُنَشُّ بالرِّيْحَانِ» أَيْ يُطَبَّ بأَنْ يُغْلَى في القِدْرِ مَعَ الرَّيْحَانِ حَتَّى يَنِشَّ.
ونَشَّ الغَدِيرُ يَنِشُّ نَشًّا ، ونَشِيشاً : أَخَذَ ماؤُه في النُّضُوبِ ، وقال يُونُسُ : سَأَلْتُ بعضَ العَرَبِ عَنِ السَّبَخَةِ النَّشّاشَةِ ، فوَصَفَها لِي ، ثُمَّ ظَنَّ أَنّي لَمْ أَفْهَم ، فَقَالَ : هِيَ الَّتِي يَبِسَ ماؤُهَا ونَضَب.
وسَبَخَةٌ نَشّاشَةٌ ، بالتَّشْدِيد ، كما هُوَ رِوَايَةُ الجَوْهَرِيّ ، وبالتّخْفِيفِ ، كما رَواه الأَزْهَرِيُّ أَيْضاً (٦) ، قالَهُ الجَوْهَرِيّ : لا يَجِفُّ ثَرَاهَا ، ولا يَنْبُتُ مَرْعاهَا ومِنْهُ حَدِيثُ الأَحْنَفِ : «نَزَلْنَا سَبَخَةً نَشّاشَةً» يَعْنِي البَصْرَةَ ، أَي نَزّازَةً تَنِزُّ بالماءِ ؛ لأَنّ السَّبَخَةَ يَنِزُّ ماؤُها فيَنِشُّ ويَعُودُ مِلْحاً.
والنَّشِيشُ والنَّشُّ : صَوْتُ الماءِ وغَيْرِهِ ، كالخَمْرِ واللَّحْمِ ، إِذا غَلَى ، وفي حَدِيثِ النَّبِيذِ : «إِذا نَشَّ فَلَا تَشْرَبْ» أَي إِذَا غَلَى ، والخَمْرُ تَنِشُّ عِنُدَ الغَلَيَانِ وقِيلَ : النَّشِيشُ : أَخْذُ أَوَّلِ العَصِيرِ في الغَلَيَان. وكَذلِكَ النَّشُّ والنَّشِيشُ : صَوْتُ الماءِ عِنْدَ الصَّبِّ.
وكَذلِكَ كُلُّ ما سُمِعَ لَهُ كَتِيتٌ.
والنَّشّاشُ ، ككَتّانٍ : وَادٍ لبَنِي نُمَيْرٍ كَثِيرُ الحَمْضِ ، كَانَتْ بهِ وَقْعَةٌ بَيْنَ بَنِي عامِرٍ ، وبَيْنَ أَهْلِ اليَمَامَةِ ، وأَنْشَدَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ :
|
بأَوْدِيَةِ النَّشّاشِ حَيْثُ تَتَابَعَتْ |
|
رِهَامُ الحَيَا واعْتَمّ بالزَّهَرِ البَقْلُ (٧) |
قُلْتُ : وأَنْشَدَ ياقُوت لِلْقُحَيْفِ العُقَيْلِيّ :
|
ترَكْنَا عَلَى النَّشّاشِ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ |
|
وقَدْ نَهِلَتْ مَنَّا السُّيُوفُ وعَلَّتِ (٨) |
__________________
(١) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله : يكون المجموع الخ في عبارة الشارح سقط ، والذي في اللسان : أكثر من ثنتي عشرة أوقية ونشّ. الأوقية أربعون ، والنش : عشرون فيكون الجميع الخ».
(٢) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله : في كلام الشافعي ، هو ابتداء كلام مرتبط بقوله : والادهان الخ كما يدل لذلك عبارة اللسان» وعبارة التهذيب أيضاً.
(٣) في التهذيب : دهن طيب مثل البان المنشوش بالطيب.
(٤) السليخة : ما اعتصر من ثمر البان ولم يربّب بالطيب.
(٥) زيادة عن النهاية.
(٦) ضبطت بالقلم في التهذيب بالتشديد.
(٧) البيت في اللسان شاهداً على «النشناش» وفيه : بأودية النشناش ...
(٨) في معجم البلدان «منها» بدل «منا».
![تاج العروس [ ج ٩ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1501_taj-olarus-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
