وقال الأَصْمَعِيّ : القَبِيلُ : ما أَقْبَلَ مِن الفاتِل إِلى حَقْوِه ، والدَّبِير : ما أَدْبَر به الفاتِلُ إِلى رُكْبَته.
وقال المُفَضَّل : القَبِيلُ : فَوْزُ القِدَاح (١) في القِمَار ، والدَّبِيرُ : خَيْبَةُ القِدَاحِ (١). وسيُذْكَر من هذا شَيْءٌ في قبل إِن شاءَ الله تعالى. وسيأْتي أَيضاً في المَادَّة قَرِيباً للمُصنِّف ويَذْكُر ما فَسَّر به الجَوْهَرِيّ ، ونقل هنا قَوْلَ الشّيبَانِيّ وتَرَكَ الأَقْوَالَ البَقِيّة تَفَنُّناً وتَعْمِيَةً على المُطالِع.
وأَدْبَرَ الرّجلُ ، إِذا مَاتَ ، كدَابَرَ ، الأَخِير عن اللِّحْيَانيّ ، وأَنْشَد لأُميَّةَ بنِ أَبي الصَّلْت :
|
زَعَمَ ابنُ جُدْعَانَ بنِ عَمْ |
|
روٍ أَنَّني يَوْماً مُدابِرْ |
|
ومُسَافِرٌ سَفَراً بَعِي |
|
داً لا يَؤُوبُ له مُسَافِرْ |
وأَدْبَر ، إِذا تَغَافَلَ عَنْ حاجَةِ صَدِيقِه ، كأَنَّه وَلَّى عنه. وأَدْبَرَ ، إِذا دَبِرَ بَعِيرُهُ ، كما يقولون أَنْقَبُ ، إِذا حَفِي خُفُّ بَعِيرِه ، وقد جُمِعَا في حَدِيث عُمَر قال لامرأَة : «أَدْبَرْتِ وأَنْقَبْتِ» ، أَي دَبِرَ بَعِيرُك وحَفِيَ. وفي حَدِيث قَيْسِ بنِ عاصم (٢) : «البَكْرَ الضَّرَعَ والنّابَ المُدبِرَ» ، قالوا : الَّتي أَدْبَرَ خَيْرُهَا.
وأَدبَرَ الرجُلُ : صَارَ له دَبْر ، أَي مَالٌ كَثِيرٌ.
وعن ابن الأَعْرَابيّ : أَدْبَرَ ، إِذَا انْقَلَبَتْ فَتْلَةُ أُذُنِ النَّاقَةِ إِذا نُحِرَت إِلى ناحِيَة القَفَا ، وأَقْبَلَ ، إِذا صارتْ هذه الفَتْلَةُ إِلى ناحِيَةِ الوَجْهِ.
ومن المَجاز. شَرُّ الرَّأْي الدَّبَريّ ، وهو مُحرّكةً : رَأْيٌ يَسْنَحُ أَخِيراً عنْد فَوْتِ الحَاجَةِ ، أَي شَرُّه إِذا أَدْبَر الأَمرُ وفَاتَ. وقيل : الرَّأْيُ الدَّبَرِيّ : الذي يُمْعَنُ النَّظَرُ فيه ، وكذلك الجَوِابُ الدَّبَرِيّ.
ومن المَجاز : الدَّبرِيّ : الصّلاةُ في آخِرِ وَقْتِها. قلت : الّذِي وَرَدَ في الحديث : «لا يَأْتِي الصَّلاةَ إِلَّا دَبَرِيّاً».
وفي حَدِيثٍ آخَرَ : «لا يَأْتِي الصَّلاةَ إِلا دَبْراً (٣)» ، يُروَى بالضَّمّ وبالفَتْح. قالوا : يقال : جاءَ فُلانٌ دَبَرِيّاً أَي أَخيراً ، وفُلانُ لا يُصَلِّي [الصلاة] (٤) إِلَّا دَبَرِيّاً ، بالفَتْح ، أَي في آخِر وَقْتها. وفي المحكم : أَي أَخيراً ، رَواه أَبو عُبَيدٍ عن الأَصمعيّ. وتُسَكَّنُ الباءُ ، رُوِيَ ذلِك عن أَبي الهَيْثَم ، وهو مَنْصُوب على الظَّرف. ولا تَقُلْ دُبُرِيّاً ، بِضَمَّتَيْن ، فإِنَّه مِنْ لَحْنِ المُحَدِّثِين ، كما في الصّحاح.
وقال ابنُ الأَثِير : هو منسوبٌ إِلى الدَّبْرِ آخِرِ الشيْءِ ، وفَتْح الباءِ من تَغْييرات النَّسب ، ونَصْبُه على الحَالِ من فاعلِ يَأْتِي.
وعِبارة المُصَنِّف لا تَخْلو عن قَلاقَةٍ وقَولُ المُحَدِّثين : «دُبُرِياً» ، إِن صَحَّت رِوايَتُه بسَمَاعِهِم من الثِّقات فلا لَحْنَ ، وأَمّا مِن حَيْثُ اللُّغَة فصَحِيحٌ ، كما عَرَفْت. وفي حَدِيثٍ آخرَ مَرْفُوعٍ أَنه قال : «ثَلاثَةٌ لا يَقْبَل الله لهُم صَلَاةً : رَجُلٌ أَتَى الصَّلاةَ دِبَاراً ، ورَجلٌ اعتَبَدَ مُحَرَّراً ، ورَجلٌ أَمَّ قَوماً هم له كارهون» ، قال الإِفْرِيقيّ ، راوِي هذا الحديثِ : معنى قوله : دِبَاراً ، أَي بعدَ ما يَفُوت الوَقْتُ (٥).
وفي حديثِ أَبي هُرَيْرَة أَنَّ النبِيَّ صلىاللهعليهوسلم قال : «إِن للمُنافقيِنَ عَلامات يُعْرَفُون بها ، تَحِيَّتُهم لَعْنَةٌ وطَعَامُهم نُهْبَةُ ، لا يَقْرَبُون المساجدَ إِلَّا هَجْراً ، ولا يَأْتُون الصلاةَ إِلا دَبْراً ، مُسْتَكْبِرِين ، لا يَأْلَفون ولَا يُؤْلَفُون ، خُشُبٌ باللَّيْل ، صُخُب بالنَّهار». قال ابنُ الأَعرابيّ : قوله : «دِباراً» في الحدِيثِ الأَوّل جمع دَبْرٍ ودَبَرٍ ، وهو آخر أَوقاتِ الشَّيْءِ : الصَّلاةِ وغَيْرِهَا.
والدَّابِرُ يقال للمُتَأَخِّرِ والتّابِع ، إِمَّا باعْتَبَار المَكَانِ أَو بِاعْتِبَار الزّمَان أَو باعْتِبَار المَرْتَبَة. يقال : دَبَرَه يَدْبُره ويَدْبِره دُبُوراً إِذا اتَّبَعه (٦) مِنْ ورائِه وتَلَا دُبُرَه ، وجاءَ يَدْبُرهُم ، أَي يَتْبَعُهم ، وهو من ذلك.
__________________
(١) اللسان : القِدْح.
(٢) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله : وفي حديث قيس بن عاصم البكر الخ فيه حذف ، وعبارة اللسان : وفي حديث قيس بن عاصم : إني لأفقر البكر الخ اه» ومثله في النهاية. وقد ضبطنا الحديث باعتبار عبارة النهاية واللسان.
(٣) قال ابن الأثير : وهو منصوب على الظرف.
(٤) زيادة عن اللسان.
(٥) في النهاية : والمراد أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتها.
(٦) اللسان : تبعه.
![تاج العروس [ ج ٦ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1498_taj-olarus-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
