الحِنْثَ الذِي هو الإِثْمُ عن نفْسه ، كقوله تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) (١) أَي انْفِ الهُجُودَ عن عيْنِك ، ونَظِيرُه تَأَثَّمَ ، وتَحَوَّبَ ، أَي نَفَى الإِثْمَ والحُوبَ.
وعن ابن الأَعْرَابِيّ : يَتَحَنَّثُ أَي يَفعَلُ فِعْلاً يَخْرُج به من الحِنْثِ ، وهو الإِثْمُ والحَرَجُ ، ويُقَالُ : هو يَتَحَنَّثُ ، أَي يَتَعَبَّدُ للهِ ، قال : وللعربِ أَفعالٌ تُخالِفُ مَعَانِيهَا أَلْفاظَها ، يقالُ : فلانٌ يَتَنَجَّسُ ، إِذا فَعَل فِعْلاً يَخْرُجُ به من النَّجَاسَةِ ، كما يُقَال : فلانٌ يَتَأَثَّمُ ويَتَحَرَّجُ ، إِذا فَعَلَ فِعْلاً يخرُجُ به من الإِثْمِ والحَرَجِ ، وفي حديثِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ[أَنه قال لرسول الله صلىاللهعليهوسلم] (٢) : «أَ رأَيْتَ أُموراً كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بها في الجَاهِلِيَّةِ ، من صِلَةِ رَحِمٍ وصَدَقَةٍ» ، أَي أَتَقَرَّبُ إِلى الله تعالى بأَفْعالٍ في الجَاهِلِيّةِ.
وفي التَّوْشِيحِ : يَتَحَنَّثُ ، أَي يَتَعَبَّدُ ، ومعناه إِلقاءُ الحِنْثِ عن نَفْسِه ، كالتَّأَثُّمِ والتَّجَوُّبِ.
قال الخَطَّابِيّ : وليس في الكلامِ تَفَعَّلَ : أَلْقَى الشيءَ عن نَفْسِه غير هذِه الثَّلاثة ، والباقي بمعنَى تَكَسَّبَ ، قال شيخُنَا : وزادَ غيرُه تَحَرَّجَ ، وتَنَجَّسَ ، وتَهَجَّدَ ، كما نقلَهُ الأَبِّيّ عن الثَّعْلَبِيّ ، فصارت الأَلفاظُ سِتَّةً.
قال شيخُنَا : قولُ المصنّف «اللَّيَالِيَ ذواتِ العَدَدِ» وَهَمٌ ، أَوقعَه فيه التَّقْلِيدُ في الأَلفاظ دونَ استعمالِ نَظَرٍ ، ولا إِجْرَاءٍ لمُتُونِ اللَّغَةِ على حَقَائِقِها ، فكأَنَّهُ أَعْمَلَ قولَ الزُّهْرِيِّ الّذِي أَدْرَجَهُ في شرحِ قَوْلِهم ـ
في صِفَةِ رسولِ الله صلىاللهعليهوسلم ـ : كانَ يَأْتِي حِراءً فَيَتَحَنَّثُ فيه ، قال الزُّهْرِيّ : وهو ، أَي التَّحَنُّثُ : التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَد ، فظَنَّ المصنِّفُ أَنّ قولَه : اللَّيَالِيَ ذوات العدَد قَيْدٌ في تَفْسِيرِ يَتَحَنَّث ، وقد صَرّحَ شُرّاحُ البُخَارِيّ ، وغيرُهم من أَهلِ الغَرِيبِ ، بأَنَّ قولَ الزُّهْرِيّ ، اللّيَالِيَ ذَواتِ العَدَدِ ، إِنّمَا هو لِبَيَانِ الوَاقِعَةِ ، ذَكرَها اتّفاقِيَّةً ، لا أَنّ التَّحَنُّثَ هو التَّعَبُّدُ بقَيْدِ اللّيَالِي ذَواتِ العَدَدِ ، فإِنّه لا قائِلَ بِه ، بل التَّحَنُّثُ هو التَّعَبُّدُ المُجَرَّدُ ، صَرَّحَ به غيرُ واحِدٍ ، فلا معنى لتَقْيِيدِ المُصَنِّفِ به. قلت وهو بحثٌ قَوِيٌّ.
أَو تَحَنَّثَ : اعتَزَلَ (٣) الأَصْنَامَ ، وهكذا في الصّحَاح واللِّسَان.
وتَحَنَّثَ من كذا : تَأَثَّمَ مِنْهُ ، ويجوز أَن تَكونَ ثاؤُه بَدَلاً من الفَاءِ ، صرّحَ به الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره.
* ومما يستدرك عليه :
بَلَغَ الغُلامُ الحِنْثَ ، أَي الإِدراكَ والبُلُوغَ ، وهو مجازٌ ، وقيل : إِذا بَلَغَ مَبْلَغاً جَرَى عليه القَلَمُ بالطَّاعَةِ والمَعْصِيَةِ ، وفي الحديث : «مَنْ ماتَ لهُ ثَلاثَةٌ من الوَلَدِ لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ دَخَلَ من أَيِّ أَبواب الجَنَّة شَاءَ» أَي لم يَبْلُغوا مَبْلَغَ الرِّجَالِ ، يقال : بلغَ الغُلامُ الحِنْثَ ، أَي المَعْصيَةَ والطَّاعَةَ ، و[قيل] (٤) : الحِنْثُ : الحُلُمُ.
وفي اللسان : يُقَالُ للشَّيءِ الّذِي يَخْتَلِفُ النّاسُ فيهِ ، فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْن : مُحْلِفٌ ومُحْنِثٌ (٥).
والحِنْثُ : الرُّجُوعُ في اليَمِين.
وفي الحديث : «يَكْثُرُ فِيهِم [أَوْلَاد الحِنْثِ]
(٦) أَي أَولاد الزِّنَا ، من الحِنْثِ المعْصِيَةِ ، ويُروى بالخَاءِ المُعْجَمَة والبَاءِ المُوَحَّدَةِ.
[حنبث] : حَنْبَثٌ ، كجَعْفَرٍ ، أَهمله الجَوْهَرِيّ ، وقال ابنُ دُريد : هو اسمٌ ، قال : ولا أَدْرِي ما صِحَّتُه (٧).
[حنكث] : الحَنْكَثُ ، كجَعْفَرٍ أَهمله الجَوْهَرِيُّ ، وقال الصَّاغَانِيّ : هو نَبْتٌ ، هكذا نقلَه في التَّكْملة.
[حوث] : الحَوْثُ. عِرْقُ الحَوْثَاءِ لِلْكَبِدِ ، عن النّضْرِ ، وقيل : الكَبِدُ وما يَلِيها قال الرّاجز :
|
إِنّا وَجَدْنَا لَحْمَهُ طَرِيَّا |
|
الكِرْشَ والحَوْثاءِ والمَرِيَّا (٨) |
وأَوْقَعَ بهِم فلانٌ ، ف تَرَكهم حَوْثَ بَوْثَ ، وحَيْثَ بَيْثَ ، بالوَاو وبالياءِ ، وحِيثَ بِيثَ بكسر أَوّلِهما ، مبنِيّات على الفَتْح في الكُلّ وحاثِ باثِ ، مبنيّان على الكسْرِ وحَوْثاً بَوْثاً بالتّنوين : إِذا فَرَّقَهُمْ وبَدَّدَهُم.
__________________
(١) سورة الإسراء الآية ٧٩.
(٢) زيادة عن اللسان.
(٣) في الصحاح واللسان : تحنّث : تعبد واعتزل الأصنام.
(٤) زيادة عن اللسان.
(٥) مثله في التهذيب.
(٦) زيادة عن اللسان والنهاية ، وأشير بهامش المطبوعة المصرية إلى رواية النهاية.
(٧) عن التكملة ، وبالأصل «حجته». ووردت في اللسان قبل مادة حنث.
(٨) بهامش المطبوعة المصرية : «قوله لحمه ، في الصحاح لحمهم ، وتقدم للشارح في مادة جوث : زادهم بدل لحمهم» وفي اللسان : لحمها.
![تاج العروس [ ج ٣ ] تاج العروس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1489_taj-olarus-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
