وقيل لمالك : كيف استوى؟ فقال : الكيف غير معقول ، والاستواء غير مجهول (١).
ولا يصح معنى (فَسَوَّاهُنَ) عند الحمل على الانتصاب ، ولا يناقض الآية قوله (٢) : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) ، لأنّ الدّحو : البسط (٣) ؛ فإنّما دحاها بعد أن خلقها وبنى عليها السماء (٤).
__________________
|
هما استويا بفضلهما جميعا |
|
على عرش الملوك بغير زور |
قال ابن الجوزي : «وهذا منكر عند اللغويين. قال ابن الأعرابي : العرب لا تعرف «استوى» بمعنى «استولى» ، ومن قال ذلك فقد أعظم ، قالوا : وإنما يقال : استوى فلان على كذا ، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه ، ثم تمكن منه ، والله ـ عزوجل ـ لم يزل مستوليا على الأشياء ، والبيتان لا يعرف قائلهما كذا قال ابن فارس اللغوي ، ولو صحا فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة».
وقال القرطبي في تفسيره : ٧ / ٢١٩ : «وقد كان السلف الأول رضياللهعنهم لا يقولون بنفي الجهة ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته ...».
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات : (٢ / ١٥٠ ، ١٥١) ، وتتمة كلام الإمام مالك : والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج. قال البيهقي : «وروى ذلك أيضا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أستاذ مالك بن أنس رضياللهعنهما». وانظر شرح العقيدة الطحاوية : ٧٦ ، والدر المنثور : ٣ / ٤٧٤.
(٢) سورة النازعات : آية : ٣٠.
(٣) انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة : ٥١٣ ، وتأويل مشكل القرآن : ٦٨ ، وتفسير المشكل لمكي : ٣٧٤ ، وتفسير القرطبي : ١٩ / ٢٠٤.
(٤) هذا الذي ذكره المؤلف رحمهالله نسب إلى مجاهد كما في زاد المسير : ١ / ٥٨ ، وأورده ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن : ٦٧ آية النازعات وقال : فدلت هذه الآيات على أنه خلق السماء قبل الأرض. وليس في كتاب الله تحريف الجاهلين ، وغلط المتأولين. وإنما كان يجد الطاعن متعلّقا لو قال : والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها ، وإنما قال : (دَحاها) فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين ، ثم خلق السماوات وكانت دخانا في يومين ، ثم دحا بعد ذلك الأرض ، أي بسطها ومدها.
![إيجاز البيان عن معاني القرآن [ ج ١ ] إيجاز البيان عن معاني القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1475_ijaz-albayan-01%2Fimages%2Fcover.bmp&w=640&q=75)
