قال لاسامة حين عهد إليه : أغز صباحا على أهل أبنى ، فلم يمهله إلى المساء ، وقال له : أسرع السير فلم يرض منه إلا بالاسراع ، لكنه عليهالسلام تمرض بعد ذلك بلا فصل ، فثقل حتى خيف عليه ؛ فلم تسمح نفوسهم بفراقه وهو في تلك الحال ، فتربصوا ينتظرون في الجرف ما تنتهي إليه حاله ، وهذا من وفور إشفاقهم عليه ، وولوع قلبهم به ، ولم يكن لهم مقصد في تثاقلهم إلا انتظار احدى الغايتين ، إما قرة عيونهم بصحته ، وإما الفوز بالتشرف في تجهيزه ، وتوطيد الامر لمن يتولى عليهم من بعده ، فهم معذورون في هذا التربص ، ولا جناح عليهم فيه.
وأما طعنهم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تأمير أسامة مع ما وعوه ورأوه من النصوص قولا وفعلا على تأميره ، فلم يكن منهم إلا لحداثته مع كونهم بين شيوخ وكهول ، ونفوس الكهول والشيوخ تأبى ـ بجبلتها ـ أن تنقاد إلى الاحداث ، وتنفر بطبعها من النزول على حكم الشبان ، فكراهتهم لتأميره ليست بدعا منهم ، وإنما كانت على مقتضى الطبع البشري ، والجبلة الآدمية ، فتأمل.
وأما طلبهم عزل أسامة بعد وفاة الرسول ، فقد اعتذر عنه بعض العلماء بأنهم ربما جوزوا ان يوافقهم الصديق على رجحان عزله لاقتضاء المصلحة ـ بحسب نظرهم ـ هكذا قالوا ، والانصاف أني لا أعرف وجها يقبله العقل في طلبهم عزله بعد غضب النبي من طعنهم في تأميره ، وخروجه بسبب ذلك محموما معصبا مدثرا ، وتنديده بهم في خطبته تلك على المنبر التي كانت من الوقائع التاريخية الشائعة بينهم ، وقد سارت كل مسير ، فوجه معذرتهم بعدها لا يعلمه الا الله تعالى.
وأما عزمهم على إلغاء البعث ، وإصرارهم على الصديق في ذلك ، مع
