فرجع الجيش باللواء إلى المدينة الطيبة ، ثم عزموا على إلغاء البعث بالمرة ، وكلموا أبا بكر في ذلك ، وأصروا عليه غاية الاصرار ، مع ما رأوه بعيونهم من اهتمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، في إنفاذه ، وعنايته التامة في تعجيل إرساله ، ونصوصه المتوالية في الاسراع به على وجه يسبق الاخبار ، وبذله الوسع في ذلك منذ عبأه بنفسه وعهد إلى أسامة في أمره ، وعقد لواءه بيده إلى أن احتضر ـ بأبي وأمي ـ فقال : اغد على بركة الله تعالى ، كما سمعت ، ولولا الخليفة لاجمعوا يومئذ على رد البعث ، وحل اللواء ، لكنه أبى عليهم ذلك. فلما رأوا منه العزم على إرسال البعث ، جاءه عمر بن الخطاب حينئذ يلتمس منه بلسان الانصار أن يعزل أسامة ، ويولي غيره.
هذا ولم يطل العهد منهم بغضب النبي وانزعاجه ، من طعنهم في تأمير أسامة. ولا بخروجه من بيته بسبب ذلك محموما معصباً مدثرا ، يرسف في مشيته ، ورجله لا تكاد تقله ، مما كان به من لغوب ، فصعد المنبر وهو يتنفس الصعداء ويعالج البرحاء ، فقال : « أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في تأميري أسامة ، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله ، وأيم الله انه كان لخليقا بالامارة ، وإن ابنه من بعده لخليق بها » فأكد صلى الله عليه وآله وسلم ، الحكم بالقسم ، وإن واسمية الجملة ، ولام التأكيد ، ليقلعوا عما كانوا عليه ، فلم يقلعوا ، لكن الخليفة أبى أن يجيبهم إلى عزل أسامة ، كما أبى أن يجيبهم إلى الغاء البعث ، ووثب فأخذ بلحية عمر (١) فقال : « ثكلتك أمك
__________________
(١) نقله الحلبي والدحلاني في سيرتيهما ، وابن جرير الطبري في احداث سنة ١١ من تاريخه ، وغير واحد من أصحاب الاخبار (منه قدس).
