ـ نصر الله بك الحق ـ تعلم بأن في كتابة ذلك الكتاب راحة قلب النبي ، وبرد فؤاده ، وقرة عينه ، وأمنه على امته صلى الله عليه وآله وسلم ، من الضلال. على أن الامر المطاع ، والارادة المقدسة ، مع وجوده الشريف إنما هما له ، وقد أراد ـ بأبي وأمي ـ إحضار الدواة والبياض ، وأمر به ، فليس لاحد أن يرد أمره أو يخالف إرادته (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (٨٥٩).
على أن مخالفتهم لامره في تلك المهمة العظيمة ، ولغوهم ولغطهم واختلافهم عنده ، كان أثقل عليه وأشق من إملاء ذلك الكتاب الذي يحفظ أمته من الضلال ، ومن يشفق عليه من التعب بإملاء الكتاب كيف يعارضه ويفاجئه بقوله هجر؟!
وقالوا : ان عمر رأى أن ترك احضار الدواة والورق أولى ، وهذا من أغرب الغرائب ، وأعجب العجائب ، وكيف يكون ترك احضارهما ؛ أولى مع أمر النبي باحضارهما ، وهل كان عمر يرى أن رسول الله يأمر بالشيء الذي يكون تركه أولى؟
وأغرب من هذا قولهم : وربما خشي أن يكتب النبي أمورا يعجز عنها الناس فيستحقون العقوبة بتركها ، وكيف يخشى من ذلك مع قول النبي : لا تضلوا بعده ، أتراهم يرون عمر اعرف منه بالعواقب ، وأحوط منه واشفق على أمته؟ كلا.
وقالوا : لعل عمر خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب ،
____________________________________
(٨٥٩) سورة الاحزاب آية : ٣٦.
